السبت، 7 يوليو، 2012

معطف من الشوق 42


الجزء السابق هنا


لماذا لا ترتدي معطفك الجديد؟
سؤال تردده أمي ليلاً نهاراً كلما رأتني أهم بالخروج تسألني نفس السؤال و أجاوبها نفس الإجابة : لأنه لا يناسب الخروجه, سنوات و هي تسأل و أنا أجيب لا يملّ أحدنا, كان سؤالها نوع من مضايقتي فهي غاضبة مني حزينه على حالي, تمر السنوات و أنا أرفض الزواج و أسخر من كل عريس تجبرني أن أراه, تحاول أن تتقصى عن أحوال قلبي فلا تجد إلا باباً مغلق, لم تعرف الإجابة الحقيقية أبداً.

جلست في مقهاي المفّضل القريب من البحر أحتسي القهوة و أستعيد الذكريات كعادتي..عندما إتفقنا على أول لقاء لنا عند القلعه حتى يشهد التاريخ الكامن في البناء, الحاضر الكامن فينا و المستقبل الكامن في أمواج بحر غادر على أول مره تلتقي فيها أجسادنا, و إن كانت القلوب قد تلاقت كثيراً من قبل و الأرواح إنفصلت عن جسدينا و لم تعد بعد.

نزلت قبلها للتسوق كنت أريد أن أقابله بأجمل قطعة ملابس على وجه الأرض, بهرتني أناقة المعطف و بساطة تصميمه و شعرت في زرقته الداكنه لوناً كريماً ساحراً يشبه علاقتنا, إرتيدته يومها و لكننا لم نلتقي..غاب و غابت معه روحي, كان رغم كتاباته الرومانسية التي خطف لُبّي بها كاتباً سياسياً جريئاً..و كان إعتقاله بمثابة إعتقالاً لقلبي, الرسالة الأخيره التي أرسلها لي عن طريق صديق مشترك كانت سببي الوحيد للحياة..لا تحاولي أن تجديني فأنا أخاف عليكِ لأني..أُحبـــك.

لم يهوّن علي غيابه طيلة هذه السنوات إلا كتاباته القديمه و تعليقاتي عليها و ردوده و مابين السطور..كنت أثار و أغار جداً من تعليقات الأخريات و هن يشدون بجمال حرفه و يعبدن أسلوبه, و كثيراً منهن كاتبات محترفات بتنميق الكلمات و فنون الجذب اللغوي, أما أنا فكنت أكتب له و كأني أحدثه, رغم أني أجيد الكتابة بالأنامل الذهبيه مثلهن, لكنني كنت أجد نفسي أمامه فقط..أنا..بعيداً عن أي ذواق, أحب أن أعلّق له ببساطة قارئة و ليس بحرفية كاتبة, أما هو فكان ملِك في إستخدام الحروف بكل الألوان حيث يراها القراء زرقاء و وحدي أرى اللون الأحمر, كان جداً متمكن...من قلبي.

في زمرة رحلتي اليوميه مع الذكريات, دخلت لأتصفح صفحتة كعادتي, فأنا أُصبّح عليه فيها و أُمسّي, أفتحها كثيراً و أتحدث لها و كأني أحدثه, أعاتبه, أبثه أشواقي, أقصّ عليه أحداث يومي, أبكي من منغصاتي و أطلعه على أسراري! لكن هذا اليوم كانت صفحته مختلفه..لقد عاد..عاد ليكتب بها..غير تصميمها الذي حفظته عن ظهر قلب, و غيّر صورته التي لم تفارقني لحظة و التي كنت أقول كلما وقعت عيني عليها "حبيبي"..لا يهم التغيير المهم أنه عاد.

أمسكت هاتفي و بيد مرتعشه طلبت نمرته التي لم أطلبها منذ سنوات..بمجرد أن رد كنت قد بدأت في الذوبان..أتلاشى شوقاً له..أخبرني أنه توحشني..و قلت دون تفكير..أُحبك..أًحبك و لا أريد منك شيئاً, كنت أفتقد صوته بشكل مرعب, و كأن حياتي توقفت طيلة هذه السنوات و الآن فقط ضغطت على زر play.. لقد عُدت,  كان هو أيضاً في حالة إشتياق و لهفة و طلب مني ميعاد آخر لنعوّض ميعادنا الذي لم يتم..

لماذا ترتدي المعطف اليوم؟
نظرت لها بإستغراب و قلت: لأنني اليوم أخيراً سأخرج.

إنتظرته و قلبي يقتله الخوف, و لكنه خالف كل مخاوفي و أتى..كانت مشيته مميزة..كحصان يخطو بهدوء و ثقه, تعانقت يدانا و سلّمت القلوب سلاماً أكبر, شعرت في نفسي بضعف يضايقني, كنت على إستعداد تام لفعل أي شئ و أنا معه, كالمجاذيب كنت أهيم في حضوره, لم أسأله عن السنوات الماضيه, كان بين عيوننا حديث أكبر, حتى باغتني هو و أسقطني على أرض الواقع..
-أتدرين أين كنت؟
-كنت في المعتقل..هذه المعلومه الوحيده التي عرفتها.
-نعم كنت..و خرجت بعد الثورة و شاركت فيها.
-خرجت منذ عام إذن؟
-سلمى..أنا..
-شششش
وضعت إصبعي على فمه ثم همست في أذنه..وحشتني..
لمست ذراعه و قلت دون وعي..محمد هل أنت حقيقي هذه المره؟...لم أتصور أن خيالي أصبح أمامي الآن رؤي العين, كان شوقي يغلبني بشكل يثقل جفوني و يجعلني متماسكه أمامه بصعوبه, كنت أود أن أركض, أن أبكي أن أضحك أن أنام في حضنه و لا أصحو أبداً..أسقطني سقطة أكبر على أرض الواقع..
-أنا لن أستطيع أن أراكِ ثانيةً..


-لماذا؟
-أخاف عليكِ..
كنت أجاهد في منع نفسي من البكاء..إستطرد,
-لقد خرجت من إعتقال دام 6 أشهر منذ أسابيع قليله..و لازال لدي الكثير ضد بقايا النظام..المُعارضه طريقي و قد أكون مراقب الآن..لقد وعدتك يوماً ألا أؤذيكِ و أنا عند وعدي..
-و من قال أن بعدك لا يؤذيني؟
-أنا أريدك بخير و سعيده فقط..حبك سيبقى بين دفاتري.
-و لكني كما قال نزار أفضّل الموت على صدرك و ليس بين دفاتر أشعارك..
-و أنا أريدك أن تموتين في فراش دافئ بين أبناء و حفدة.
-هل تظن أنني سأكون نسيتك وقتها؟ مخطأ أنت..لأنك لا تعرف أن المرأة لا تنسى حبيبها أبداً..
-ستُحبين آخر..
-قد يدخل حياتي آخر..لكن لن يدخل قلبي غيرك.
-لا تتعبيني.
-أنا لن أستجديك لتبقى.
-و كيف تستجدين من كنتِ مليكته.
-إذا لم تستطع أن تمنحني حبك فلتمنحني صداقتك.
-صداقتك تربكني و صوتك يبدد مفاهيمي عن الصداقة.
-إمنحني حق أن أسمع صوتك ولو كل حين و أراك و لو مره كل عام.
-لا أريد لنا حياة رمادية.
-و أنا لا أريدها سوداء.
أدرت وجهي كي لا يرى دمعة غلبتني, كيف يزعم بحبي و لا يريد أن يراني أو حتى يسمع صوتي..هل بعدي عنه هين لهذه الدرجه,
-لماذا طلبت مقابلتي؟
-لأني كنت مدين لك بلقاء لم يكن....و لأنك..وحشتيني..
كنت كتمثال لا شعور لا تعبير لا شئ, شعرت أني فقدت روحي هذه المره فقدتها للأبد..أفقت على يداه تضُم يدي, سرت في جسدي رعشة و في دمي كانت تسبح زهور فواحه لم تخلق بعد..دمعت عيوننا في لحظة عشق صادقة...وضع يده على معطفي حاول أن يلفني بذراعه, و لكنه سرعان ما إستدرك نفسه و عاد لرصانته.

-أنا أخاف عليكِ أرجوكِ خلي بالك من نفسك.
نظرت له بتعجب..خلّي بالك من نفسك!! و ما الجديد أنا دائماً أُخلي بالي من نفسي, و هل كنت أنت تهتم أو تحاول حتى أن تعرف كيف هي ..نفسي؟..خلي بالك من نفسك!!..جملة سمعتها كثيراً في قصص حب تحتضر, و لكن قصتنا لم تبدأ بعد حتى تحتضر , لن تبدأ و لن تحتضر..نحن لم نفترق لأننا أبداً لم نلتقي..فكيف تقل لي..خلّي بالك من نفسك؟

نهضت فتبعني و سرنا خطوات قليله كنت أتمنى أن أغمض عيني و أموت في هذه اللحظه..إنها اللحظه المناسبة تماماً للموت..للخلاص..إقترب مني ليُسلّم علي, أعطيته كفي في إستسلام..كيف تكون أول مره هي الأخيره..و أول لقاء هو الأخير و أول إعتراف هو الأخير..و أول حب حقيقي هو الأخير..كيف؟

سرت وحدي على الكورنيش أضم نفسي بالمعطف..معطفه..كم كنت أتمنى أن يكون هو معطفي, هو دفئي و حضني و أماني, لكنه ترك لي البرد و الخواء, أدرك جيداً أنني علّقت نفسي بخيوط واهيه ليس عن جنون و لكن عن عشق, عشق ليس له قواعد أو فروض, سأحتفظ به في قلبي لا أريد منه شيئاً كما أخبرته.
خلعت المعطف عني..قبّلت أثر يده و شممت رائحته بين ثنايا المعطف, ثم ألقيت به على سور الكورنيش..و ركضت وركضت وركضت...لن تسألني عليه أمي بعد اليوم.




*************
أصدقائي
كنت قد كتبت منذ أكثر من عام قصة بعنوان "معطف من القيود" ثم أزدت عليه جزءً ثاني, و فاجأني أستاذ إبراهيم رزق بكتابة الجزء الثالث و الرائع مصطفى سيف الجزء الرابع و محمد السيد human واحد من أروع الأجزاء,إستمرت السلسلة بأقلام أكثر من 30 مدون و مدونه من أروع المدونين من بينهم أ.فاروق فهمي, ماما زيزي, رحاب صالح, نيسان, ريماس بنوته مصرية, محمد الذهبي و غيرهم الكثير, كنا أنا و أ.إبراهيم و مصطفى سيف محافظين على أن تكون الأجزاء منفصلة متصلة بمعنى أن نبدأ من حيث إنتهى الآخرين, لكن بعض الأقلام الرائعه كتبوا أجزاء خارج هذا السياق إعتقاداً منهم بأن الرابط هو وجود المعطف فقط..لكن التحدي والجهد الحقيقي يكمن في صياغة الأحداث في إتصال سلس و كأنها قصة واحده.
الجزء الـ 43 في مدونة أ.إبراهيم رزق
سالزيادسو
أتمنى تكون فكرتي وصلت و لو أردتم كتابة أجزاء من المعطف برجاء كتابة هذا في التعليقات عند أستاذ إبراهيم حتى لا يكتب أكثر من مدون نفس الجزء و برجاء وضع الرابط هنا أو في مدونة مصطفى سيف طير الرماد حتى يتسنى لنا نشرها على مدونة معطف من القيود.

تحياتي للجميع



هناك 25 تعليقًا:

yasmeen gamal khodeer يقول...

فظيعه بشكل فوق المريب , أثرت فيا جدا و عيشتنى جوه الحاله بجد تسلم ايدك

Deyaa Ezzat يقول...

استمتعت ها هنا

تحياتي

إنسان || Human يقول...

انا انبسطت جداً ان المعطف لسه موجود .. وبيتنقل بين اقلام المدونين .. وكل كاتب بيزود التجربة من تجاربه الخاصة

اما عن القصة .. جمالها في الاساس في تركيزك على مشاعر بعينها .. اللي حسيت ان البنات اقدر على وصفها ..ا لذروة بالنسبالي كانت لحظة اللقاء .. استمتعت جداً باللحظة دي والنقلة اللي حصلت في اللحظة دي تحديداً ... كل ده قدرتي تعمليه يا شيرين على الرغم ان موضوع القصه مستهلك جداً ومافهيوش جديد

لكن حسيت انك لبستيه فستان جديد


طبعاً هاكون مبسوط جداً لو شاركت مرة تانية في المعطف ...

Bent Men ElZman Da !! يقول...

بعشق تشبيهاتك ياشيرين اللى فيها قوه ورقه فى نفس الوقت
استمعت بيها جدااا

انا ماكنتش اعرف حكايه ان قصص معطف من قيوم مترابطه ولازم يبدأ الجزء الجديد من نهايه اخر جزء وللاسف مش قريت الا اجزاء قليله اووووى منهم

بس عايزه اقولك ان جه فى دماغى فكره لقصه وانا بكتب الكتاب بتاعى بسبب معطف من قيود :)

مصطفى سيف الدين يقول...

اجتثت المعطف و اجتثته معه و ربما اجتثت معه بقايا ذكريات و أحلام محطمة
كتبتيها بروعة بالغة و باحساس صادق شعرت انكِ تتكلمين عن نفسك في بعض الاحيان

عودة قوية للمعطف قد اكتب عنه قريبا
تحياتي لكِ

ابراهيم رزق يقول...

منك يا هاجر دائى .. ويكفيك دوائى
يا منى روحى ودنياى .. وسؤالى ورجائى
انت ان شئت نعيمى .. وانشئت شقائى
ليس من عمرى يوم .. لا ترى فيه لقائى
وحياتى فى التدانى .. ومماتى فى التنائى
نم على نسيان زهدى.فيك واضحك من بكائى
وكما تعلم حبى .. وكما تدرى وفائى
انا اهواك ولا ارضى .. الهوى من شركائى
امير الشعراء
احمد شوقى

بجد بجد رائعة
اعجبنى الحوار الذى اضاف كثيرا للقصة
اعجبنى ايضا تخلصها من الحب المستحيل
فالحب دفء و احتواء
يفقد قيمته اذا كان عكس ذلك

سعيد جدا بالحياة التى دبت فى المعطف

تحياتى

MEROOooOOoo يقول...

روعة
استمتعت جدا بقراءة الجزء ده
تسلم ايدك

هبة فاروق يقول...

سعيده بمعطفك الجميل ووصوله ليدك مره ثانيه اعطيتيه دفء ومشاعر خاصه جعلته ناعم بين يديك
ناعمه ورقيقه ومبدعه دائما
تحياتى لاجمل شيرى

rona ali يقول...

لأ كده مش حلو انا قرأت استاذ ابراهيم الاول فتوهت لا الموضوع كبير محتاج روقان كده :)

انا هرجع اقرأ رقم 41 الاول علشان افهم انتوا رابطين الاحداث ببعض ازاى
وبعدين جزئك وبعدين جزء استاذ ابراهيم :))

اوعدك ان شاء الله قريبا هنط تانى :)

Menna يقول...

انا للاسف مش قريت اي جزء من المجموعة بس الجزء ده شجعني و بشدة اني اقرا كل الاجزاء بجد جميلة جدا تسلم ايدك :)

زينة زيدان يقول...

معطف من قيود بأجزاءها المتعددة
سلسلة جميلة جدا
لها رونقها الخاص
وأجمل ما فيها فكرتها بأن يكون كاتب كل جزء مختلف..
قصة اليوم ممتعة جدا و تلامس القلب

قلمك دوما جميل شيرين
كل الود صديقتي

سواح في ملك اللــــــــــــــــــه- يقول...

اري كاتبة موهوبة حقا

وعن القصة

للواقع خفايا

وليس كل سببا معلنا هو السبب الحقيقي


ابدعتي واستمتعت بالقراءة

شيرين سامي يقول...

ياسمين جمال:

:)
شكراً يا ياسمين تعليقك أسعدني كتير :)

شيرين سامي يقول...

ضياء عزت:

أشكرك يا ضياء و سعيده إنك إستمتعت بين حروفي :)
تحياتي لك

شيرين سامي يقول...

human:
مبسوطه جداً يا محمد إنها عجبتك و تحليلك حقيقي و أسعدني جداً..أنا فعلاً كنت مركزه على مشاعر البنت بالأساس..لكن القصة متكرره..و مع ذلك كتير قصص بتتكرر في حياتنا لكن كل مره بنسمعها كأنها بتكون أول مره..المذاق بيختلف :)

يا ريت تشارك يا محمد هكون في إنتزار مشاركة كاتب رائع زيك

نورتني

شيرين سامي يقول...

بنت من الزمن ده:

شكراً يا دندونه :)
بصي هو مش لازم تقري كل الأجزاء لكن ضروري تقري آخر جزء عشان تقدري تبدأي من حيث إنتهى.

سعيده بزيارتك دائماً
نورتيني

شيرين سامي يقول...

مصطفى سيف الدين :

:)
أكيد كانت روحي بترفرف بين الكلام :)
سعيده إنها عجبتك يا مصطفى و في إنتظار مشاركتك.

تحياتي صديقي العزيز

شيرين سامي يقول...

إبراهيم رزق:

أستاذي العزيز جميله الهدية

ليس من عمرى يوم .. لا ترى فيه لقائى

أنا بقى سعيده بتوارد الخواطر اللي حصل :)

مبسوطه إنها عجبتك

تحياتي الخالصه لك

شيرين سامي يقول...

ميرو:

أنا الأسعد بزيارتك و مبسوطه إنها عجبتك :)

نورتيني

شيرين سامي يقول...

هبه فاروق:

شكراً يا هبه بجد و يا ريت تتشجعي و تكتبي جزء أنا متأكده إنه هيكون مختلف و في منتهى الروعه :)

نورتيني يا جميل

شيرين سامي يقول...

رزنا علي:

:)
هستنى نطتك التانيه
و سعيده بالنطه الأولانيه برضو :)

نورتيني

شيرين سامي يقول...

منه:

تسلمي يا منه و هكون سعيده لو شاركتي بجزء من في سلسلة المعطف.

أرق تحية لكِ

شيرين سامي يقول...

زينه زيدان:

زيارتك دائماً تسعدني و تعليقك بحس بصدقه و بيدخل قلبي على طوول:)
دمتي صديقتي العزيزه الغاليه

تحياتي و كل الود لكِ

شيرين سامي يقول...

سواح في ملك الله:

صحيح يا خالد بتفق معاك جداً..

و سعيده إنها عجبتك :)

تحياتي الخالصه لك

yasmeen يقول...

الله بجد جمييييييييييييلة عجبتني اوي

راااائعة كما عودتنا دائما
اتمني لك دوام التوفيق والابداع