الأربعاء، 31 أكتوبر، 2012

عن الحُب الأخير


نعلم دائماً ما هو الحُب الأول و من هو الحبيب الأول..لكننا لا ندرك أبداً ما هو و من هو الحُب الأخير..

الحُب الأول يعتبره البعض حُب الطفوله و المُراهقه..هذه الرعشه الأولى التي تسري في الجسد و الحُمره الأولى التي تصبغ الملامح, السعاده و الإثاره التي تتملكنا في وجود شخص ما, و يعتبره البعض الخفقان الأول للقلب و الشوق الأول و الخطاب الأول و اللقاء الأول و من ثم الفراق الأول..أما أنا فأعتبر أن هناك فارق كبير بين الحُب الأول و الإعجاب الأول, فيحدث أن تُعجب بأشخاص يمرّون بحياتك, تُعجب بمظهرهم, بثقافتهم, بدماثة خلقهم, بطيبتهم, بقوتهم, بخفتهم..إلخ, و قد يكون الإعجاب بدون سبب..يعجبك فُلان و فقط ربما روحه, نعتقد كذباً حينها أننا نُحب لكن نكتشف بعدها أننا نستطيع أن نفارق من أعجبنا و ننساه بمضي الوقت.

أما الحُب الأول فهو هذا الذي يترك في القلب علامه و ذكرى لا تمحوها الأيام, لكنها لا تؤلمنا! تهفو قلوبنا لها عندما نسمع كلمة "الحُب الأول" و نستعيد ذكريات..هي في الحقيقه ذكريات شبابنا و أيامنا السابقه أكثر منها ذكريات الحبيب..الأيام الخاليه من المسئوليه, الأيام الخوالي التي تُشبه أفلام الأبيض و الأسود, أيام كُنا ملائكه تُرفرف على الأغصان تُغرّد عشقاً, نوهم قلوبنا بالإشتياق, لكن في الواقع لو عاد بنا الزمن لسلكنا نفس الطريق و وقعنا في نفس الإختيارات.

في حياة كل منا وهم يُسمى الحُب الأول..قالها إحسان عبد القدوس و شاهدناها رؤيا العين في فيلم "الوسادة الخالية" المأخوذ من روايته, طبعاً كلنا كرهنا أن نكون زهرة العُلا..و تمنينا لو تزوج صلاح  سميحه, لي حكاية مع الفيلم سأذكرها في تدوينه أخرى..في صبايا لم أقتنع بالمقوله حتى كبرت و أدركت أن ثمرة الحُب الأول و إن إختلف طعمها لكنها ليست الألذ..و ليس طعمها الأبقى.

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى..ما الحُبُ إلا للحبيبِ الأولِ
كم منزل في الأرض يألفه الفتى..و حنينه أبداً لأول منزلِ

هكذا قال أبو تمام في أبياته البديعه و لم أقتنع..الحُب الأول غالباً حب فاشل..فهل أظل أسيرة حُب فشل و صفحة إنطوت لمجرد أنها أول نقش على القلب! نعم أحن لبيتي الأول و دُميتي الأولى و مدرستي الأولى..لكن منزلي الآن يناسبني أكثر, يناسب طموحي وأحلامي و تطور مُفرداتي..أكثر.

نقل فؤادك حيث شئت فلن ترى..كهوى جديد أو كوجه مقبلِ
عشقي لمنزلي الذي استحدثته..أما الذي ولــى فليس بمنزلي

هكذا رد عليه الفطحل في تناقض تام..يؤكد عبثية الإستمرار في حُب من فاتنا..

 إذا كان الحُب الأول هو الحُب الأخير كما زعم عباس محمود العقاد..إذن فهي المعجزة التي نتمنى أن تحدث و تستمر..لكن الواقع يقول أن الشباب و الفتايات يرتبطوا عدة مرات قبل أن يجدوا الحُب الحقيقي إن وجد, قد يظل القلب يحتفظ بذكريات الحُب الأول كمحاوله للهروب بالخيال كل حين لمنطقة عذبه بعيداً عن منغصات الحياة..أو هكذا نظن..لكن ربما لو حاولنا الإقتراب مره أخرى من حُبنا الأول لوجدنا أننا حتماً على خطأ و أنه لا يستحق منا كل هذا الحنين.


دعْ حبّ أول من كلفتَ بحبّـه
ما الحبّ إلا للحبيـبِ الآخـرِ
ما قدْ تولى لا ارتجاعَ لطيبـه
هل غائب اللذات مثل الحاضرِ


هكذا قال الأصبهاني و ربما إقتنعت..و إعتبرت أن غائب اللذات هو الغائب عن القلب و الذهن و ليس الغائب عن العين, فالحبيب هو أكثر البشر حضوراً و لو في آخر الكون, و الحُب الذي لا يتركنا حتى و إن تركناه هو الأبقى, و لو عشقنا قبله و بعده ألف مره سيظل هو الأبقى..

سأختم حديثي التافه بكلمات أحتفظ بها منذ سنوات دون أن أدركها, كلمات أقنعتني حد الذهول للدكتور مصطفى محمود..


آخر حب هو أعمق حب لأن البنت تحب رجلها بكل خبراتها
و بكل تطورها. و تاريخها
و تبادله مسرات كثيره لا حد لها..
و ليس صحيحاً أن أول حب هو أعظم حب..
و الصحيح أن أول حب هو أصغر حب..
و أكبر غلطها يرتكبها الرجل هي أن يتزوج  أول حبه..!

هي ليست دعوه لنبذ أول حُب و ليست دعوه للبحث عن آخر حُب..في الحقيقه الحُب هو من يظل يبحث عنا حتى نتعثر به أو نظل ننتظره..

هي مجرد تخاريف و السلام

الأحد، 28 أكتوبر، 2012

عيد أُمومتي


عندما كنت بنصف ألم و نصف وعي و إرهاق تام أضطجع على سرير في مشفى لا أرى من حولي و لا أشعر سوى بهمهمات غير مُفسّره, عيون سعيده و أخرى قلقه, و رجلٌ مُتحمس مُمتن يُمسك بكاميرة فيديو أنظر له شذراً حتى يُبعدها عنّي, دخلت الفتاة التي قضمت كفها قبل ساعات و في يدها لفة صغيره وضعتها بحرص و هي تُسمّي الله بين يدي..كانت هذه اللحظة في عصر هذا اليوم هي لحظة التغيير الحقيقي في مجرى حياتي.

توقفت طويلاً أمام عيناه و كان ينظر لي دون بُكاء, يتأملني و أتأمله, يرسمني و أرسمه, يتحدثون كثيراً حولي و لا أسمعهم, قُبُلات على جبيني لا أشعرها, فلاش الكاميرا لم يعد يزعجني لأني فقدت الإحساس به و بالزمان و المكان, لم أكن أرى سواه, حتى نطقت أخيراً..أعلنت أني أرى نفسي.., سمعتهم يتحدثون طويلاً عن الشبه, لم يعنيني كلامهم, إني أرى نفسي, عيناه تقول أنه إمتدادي..

عندما شاهدت الفيديو بعدها وجدت أن المُمرضه نزعت الـ(كانيولا) من يدي بطريقه خاطئه جعلتني أنزف و مع ذلك لم أنتبه إلا عندما شاهدت الفيديو, كنت أنظر له بتركيز غريب ليس من طبعي..نظرة طويله عميقه متعجبه, عندما نام جواري هذه الليله, لم أنم كنت مستمره في النظر إليه, "من هذا؟؟" هكذا كنت أتساءل, كيف أنا وجدت أنا أخرى, و كيف يكون جزء مني منفصل عني؟ و من هذه الليله أدركت أني أصبحت إثنان..ثم ثلاثة..

و من هذه الليله أدركت الكثير من الأشياء و المشاعر التي لمعت أمامي و أخيراً عرفت ما بداخلي..و قررت الإحتفال كل عام ليس فقط بعيد ميلاده الحبيب..لكن أيضاً بعيد أُمومتي..

كتبت وقتها كلمات بسيطه لكنها عبّرت عن إحساسي و نشرتها على المدونة عدة مرات


ما بداخلي


شئ ما بداخلي...كنت أريد أن أراه


حلم حائر داخلي...دائماً أتمناه


فكره جديده...مشاعر فريده...سعاده أكيده


لا أعرف أريد أن أراه


دقات جديده على قلبي


تهز كياني حينما أسمعها


و تملأني نشوه حينما أشعرها


خافته...لكن قويه ثابته


ماذا طرأ على قلبي؟ لاإجابه عندي


حركه ما بداخلي...طاقه مُقيده


كلمات و معاني حلوه...لكن مبعثره


أيام و ليالي جديده...و شمس مشرقه


عاطفه جداً كبيره...و أشياء مشتته


تزداد حيرتي أن أعرف ما بداخلي


أريد أن أراه


حتى رأيت عيناه


فعرفت و أخيراً رأيت ما بداخلي


فتكفيني نظره لتلك العينان


الصغيرتان...العميقتان...الدافئتان


لأعرف ما بداخلي


لأعرف سعاده لم أتذوقها


لأعرف كلمات لم لأكتبها


لأعرف معاني لم أشعرها


رأيته...فرأيت معه حناني يتدفق مثل النهر لأمامي


وضممته...فضممت قلبي بين ذراعي


و إستسلمت لمداعبة يده الصغيره


كما لم أستسلم في حياتي


و إطمأننت و أنا بجانبه


و كأنه و بحجمه الصغير ملاذي


جزء مني يجلس جواري


يضحك...يبكي...يتألم...يشدو


و يذوب معه فؤادي


أشكر ربي أن أراني ما بداخلي


جميلاً مشرقاً ينير لي حياتي


حتى لو أصبح صغيري خارج جسدي


فسيظل آمن اً في قلبي

****************


كل سنة و إنت طيب يا آمن :)

الثلاثاء، 23 أكتوبر، 2012

عيد الإشتياق..



في صبايا كان العيد يمثل لي حالة من الإشتياق...لا أستطيع تمييز أي نوع من الشوق يجتاحني, لكنه كان شوق لقصة أكون أنا بطلتها...لكلمة تغير مجرى أيامي فيصبح تقويمي على طريقة كاتبي المفضل نجيب محفوظ (ق.ح) و (ب.ح) أي قبل الحب و بعد الحب, للمسة تكون أماني من الدنيا و ما فيها, إشتياق لمعايدته لي بمجرد أن أفتح عيوني على تكبيرات العيد, إشتياق لأن نُصلّي العيد سوياً, و ألمحه وهو يصطف للصلاة فيبتسم قلبي, لكم يأسرني منظر الرجال و هم يصلّون في خشوع.

إشتياق لتناول الطعام معه و الحديث إليه و سماع حكاياته, إشتياق لقطعة من اللحم يضعها بأطراف أصابعه في فمي, لثناءة على فستاني الجديد و أنا أداري نظري عنه في خجل, إشتياق لنزهة نيليه معه يحكي لي فيها عن اشواقه و عذابه في البعد عني, إشتياق لتمشيه تنتظرنا منذ أمد بعيد, أتظاهر فيها بأني مرشدته أصف له كل شارع في حيّنا و أتقدمه بخطوات رشيقه لأدله على الطريق إلى النيل من الدقي و كيف سنمر بكوبري قصر النيل, و لكنه يرفض أن نقف على الكوبري فهو يخاف علي من نظرات الشباب المتسكع, فنعود لأحلامنا مره أخرى حيث ينتظرنا الكثير من الإشتياق.

و كبرت و لازال الإشتياق يصاحبني في العيد, فالعيد أصبح له معنى مختلف تماماً فبالرغم من دفئ الأسرة, إلا أني أفتقد جزءأً كبيراً من نفسي, أكبر إشتياق لأخي و أختي اللذان لم أعد أراهما إلا على شاشة الكومبيوتر, إشتياق لبيتنا القديم الذي كان يضج بضحكنا و لعبنا و ذكرياتنا, لمذاكرة أبي لي و هو الذي لم يقتنع يوماً بأن صمتي يعني أنني فهمت الدرس, لوقوفي جوار أمي في المطبخ لأتذوق الطعام في مراحل طهية المختلفه و لا أستجيب أبداً لمحاولتها في تعليمي.

إشتياق لنهار العيد و أنا بين صديقاتي نسير في شوارع غارقه  في برك من دماء الأضاحي, و برغم إمتعاضي من منظر الدم, إلا أن دماء الأضاحي تسعدني و تعطيني شعور بأنها ذهبت إلى الله, إستمتع بها الفقير و الغني و كله لوجه الله,  إشتياق للتجمع الكبير للأهل الذي يقربنا كحضن كبير دافئ, إشتياق لغرفتي, لعزفي على البيانو في أوقات بحثي عن بعض السعاده, لكتاباتي كلمات صغيره تعبر عن حالتي على الجدران هنا و هناك, للنجوم التي كنت أملئ بها كُتُبي و كشاكيلي, لوثباتي الصغيره و أنا أنزل الدرج بسرعه, لأن أناااااام دون أدنى إحساس بالمسئوليه, إشتياق لكل شئ أصبح بعيد.

الآن أصبحت أقضي العيد مع بعض من أسرتي..بعض من نفسي...نقضي اليوم أمام التلفاز إتقاءً للزحام في الخارج, عزومة أول يوم و ثاني يوم على الأكثر, ثم أستعد لأطبخ أنا...هل أصبحت أنا أمي؟...صحيح أنني أجيد طهي "الفتّة" و "الرقاق" لكن يظل الطهي لي كالمذاكره و العمل...ضرورة و...شر لابد منه :)
عيد ورا عيد ورا عيد...
و لا زلت أشتاق....


**************

ده بوست كتبته في شهر نوفمبر 2011 قبل عيد الأضحى بأيام
و إكتشفت أن حالي السنه دي مختلفش كتير فأعدت نشره :)

متواجده معاكم على الهوى لمدة ساعتين للرد على التعليقات و تلقي المعايدات و العديات :)

كل سنة و إنتم طيبين


الخميس، 18 أكتوبر، 2012

إحتواءك


إحتواء..
كم سمعت هذه الكلمة و ترددت داخلها كصدى صوت في فراغ يخلو من أي مشاعر
كم حاولت أن تفهمها..أن تشعرها..أن تُعطيها..
كإمرأة برج العقرب تعرف أنها تستطيع أن تُخفي ألمها و شعورها بالخواء وراء ضحكة مرحة, و تدرك تماماً أن تعاستها لا تعني غيرها, و أن إحتياجها لهذه الكلمة الغريبة يزداد يوماً بعد يوم..دون جدوى.

هل الإحتواء يشبه إحتضان رحم الأم للجنين, هل يشبه حُضن طيب بين رجل و إمرأة, هل هو ضمة أُم لإبنتها في لحظات الضعف و الإنكسار.., قد يكون قطة شوارع تُرضع صغارها, أو إحتواء الأواني للطعام الدافء في ليلة باردة موحشة, لم تعرف معنى الكلمة أبداً لكنها تكاد تجزم أنها كلمة مُجرده من الرغبة, هي كلمة مُتصلة فقط بالمشاعر..الصادقة..لذلك تراها مستحيلة.

كانت غاضبة كإمرأة عقرب..روحها تغلي مسجونه بين جسدها, غضبها غضب مشاعر و ليس غضب كرامة, تبكي فيه كأتعس إمرأة في الوجود و تحزن و كأنه عيد الحزن المُقدّس, تشعر بالإنهزام المرير, تئن كهرة محبوسة, ترمي بكلمات هنا و هناك عن كل ما يدور بداخلها دون ترتيب, كلمات حاده لم تجد الوقت أو الجهد لصقلها, ترمي بها جميعاً مع بعض من مرارتها و كثير من هواجسها بين يديه, و هي مدركة من مشوارها القصير في الحياة أن الرجال قُساه و لا يعرفون إلا إحتواء الرغبة أو إحتواء الصداقة الإضطراري, هي لا تحتاج إلا أن يتسع صدره لغضبها, يسمعها, يشعرها, يقول لها "أنا أفهم",  يُطفئ لهيب غضبها كما أشعله, و لكن خبرتها علمتها أن الرجال هم الخذلان في أبدع صوره.

حتى عرفته..
هذا الرجل الذي فتح كل أبوابه لهمومها
هذا الرجل الذي يئن صدره مع أناتها
هذا الرجل الوحيد الذي يأبه لدموعها
هذا الرجل الذي ترتاح لمجرد سماع صمته
هذا الرجل الذي تمتد ذراعه عبر الأثير لتمسح على رأسها بحنان
هذا الرجل الذي يُمشط شعرها بأصابع عشقه
هذا الرجل الوحيد الذي يستطيع أن يستخلص ضحكتها من بين الدموع
هذا الرجل الوحيد الذي يرى ضعفها قوة
هذا الرجل الذي لا يمنعه إعتزازه بنفسه أن يعترف بخطأه
هذا الرجل الذي يتسع صدره لغضب إمرأة كما يتسع لعشقها
هذا الرجل الذي لا يتضرر من إمرأة شاكية باكية تُعكر صفو أنانيته
هذا الرجل الذي يشعرها أنه دائماً...هنا..من أجلها

هذا الرجل

 يستحق أن يُعشق ألف مره

فقليلون هم من يستطيعوا أن يُشعِروا إمرأة بالمعنى الحقيقي للإحتواء..حتى و إن كانوا هم سبب الألم..




الاثنين، 1 أكتوبر، 2012

الكتابة إليك مشكلة


في هذه الليلة أتمنى أن أكتب لك رسالة ورقية, ليست إلكترونية باردة بحروف جامدة متشابهة فلا تُدرِك منها من المُرسِل, أريد أن أكتب لك رسالة بخط يدي الطفولي المُرتبك لا تحتفظ بها بين أوراقك المُبعثرة هُنا و هُناك و لكن تحتفظ بها في خِزانة ملابسك بين ثيابك حتى تمتزج بعرقك و رائحة جسدك, رغم جلستي المُستريحة الآن فوق الأريكة الوثيرة و رغم حلاوة الجو و لُطف النسائم المُتسللة من ضلف الشيش, و رغم رغبتي الجامحة في الكتابة إليك إلا أني أشعر و كأني مكبّلة و متوترة تماماً كما أكون معك, تضيع دقائق من لقاءنا الغالي و نحن نُحملق في بعض و نبتسم بخجل و لا خجل! , أو و أنت تسمع ثرثرتي التي أُداري بها رغبتي في أن أبكي على صدرك, أو و أنت تسرد علي الحكايات الغريبة مُستمتعاً بدهشتي, مُنتشياً بِضحكتي, يعود بنا الزمان عندما نلتقي فنشعر كأننا محدثي حُب..و لكني الآن كاللحظات الأولى في لقاءنا..مُرتبِكة و أشعر بأني لن أستطيع أن أكتب لك كلمة واحدة, مشكلة أن أكتب إليك.

كيف أبدأ رسالتي..بحبيبي, حياتي, روحي, كلها كلمات مُعتادة حينما تُكتب تفقد جاذبيتها, أفضّل لو أهمس بها في أُذنك, حتى يصل بها صوتي لدماءك و تخترق بها مشاعري كل حصونك, أنا لا أحب الكلمات المنمّقة و الجُمل الكبيرة المُنسّقة, و لا أُجيد فن الخطابة و الآداء المسرحي, أنت أدرى بي مني فأنا أُحِب أن أُحدّثك كطِفلة تتدلل عليك دون أن تعرف شيئاً عن البلاغة, و أن أبثك شوقي كعشيقة تجهل أصول النحو و جماليات اللغة, هي فقط تسهر و تعشق و تذوب شوقاً, و لو أني لا أعرف كيف أشتاقك و طيفك معي كل ليلة و وجهك يُطالعني كلما فتحت كتاباً أو نظرت إلى جواري, و كلماتك تحاوطني و تحاصر أيامي, كيف أشتاقك و كيف أكتبك و الكتابة إليك مشكلة.

أنت تعرف أني لن أكتب إليك أني وشوشت الودع و مشّطت الدروب و قرأت الطالع, أنت تعرف أني لن أكتب لك عن قمر مرّ بليلي أو نجوم أشفقت على حالي أو عن بحر أبُثّه عذابي أو عن بيداء كانت مسرح لأشعار كتبتها لك, أنا لا أؤمن معك بالحُب التقليدي الذي يكتُبه الشُعراء و يتغنّى به أهل الطرب, حُبك قدري, و لا أعرف إن كان زلّة قدم أم زلّة قدر*, أريد أن أكتب لك الكثير و كأني أُحدّثك و أراك, أتعرف أني أعشق عيناك, ربما لم أقولها لك أبداً من قبل, لكني أعشقها و أحفظها كأنها جُزء من ملامحي أنا! أحفظ كل نظراتك و أعشقهم جميعاً, التعِبة, الجادة, الضاحِكة, الصارِمة, المُشتاقة, المُداعبة حتى تلك الغاضِبة التي تُخيفني.

هل أكتُب لك عن مكانتك عندي..و هل لازلت لا تعرفها..ألا تعرف أنك أهم ما في حياتي, ألا تُدرِك أني أصحو و أنام على التفكير فيك, و أنك فرضت نفسك على واقعي و خيالي, و أن سعادتك تشغلني, كيف يمكن أن أسعدك؟..سؤال يؤرقني, حتى لو على حساب راحتي لا يهم فنجاحك و سعادتك نجاح لي, تبدو كلمات مُستهلكة لكني لم أشعرها سوى معك ربما لأنك إنتزعت منّي حُبّي لذاتي, فكّن سعيداً حتى و إن بعدت عني و لا تقلق فأنت تحت جلدي, صحيح أني لا أسألك أبداً السؤال المُعتاد "بتحبّني؟" خوفاً من أن يكون إستجداءً لمشاعرك, إلا أني كم تمنيت لو أعرف مكانتي عندك, و أين أقف من حياتك, لعلك الآن تقول في بالك بغضب..لأنك لا تفهمين..و لكنك أنت من لا تفهم كيف أحتاج أن تثبت لي تلك المكانة كل يوم و كل دقيقة, و بكل طريقة, فكل وقت يمر دون وجودك تقتلني الظنون و تفتك بي الغيرة.

أنت دائماً هُنا و لست هُنا..أنت مُنتهى أملي و حُلم شبابي, أنت براءتي و ذنبي, أنت الرِقّة الكامنة في و أنت جموحي, أنت اللِص الذي سرقني و النصّاب الذي أعشقه و المُستعمر الذي أشتاقه و القاتل الذي يستبيح دمي و أنا راضية..لا زلت لا أجيد الكتابة إليك و لا أجدني قد عبّرت لك عما بداخلي, ربما لأنه أكبر من أن أعبّر عنه بالكلمات الضيقه و ربما لأنك أنت المشكلة...

هل أصفك؟ لكن وصفك لن يكون كطبيعتك المُتناقِضة فأنت الطبيعة ذاتها, إعصار و نسيم, بحر هائج و نهر رائق, شمس حارقة و قمر ونّاس, أنت التضاد و الهمجية و الجنون..وإنت يا حبيبي إنت كل الحياة*..و أنا المفتونة بك, لن أصف مشيتك و صوتك و ملامحك, سأحتفظ بوصفهم لنفسي حتى تظل بعفويتك معي و أظل أعشق أشياءك الصغيرة أكثر..أتعرف أن جسدي يغار من يدي لأنها لمستك و نامت بين كفيك و مرّت على وجهك الحبيب..آه من يدي أحسدها أنا أيضاً!

تتملكني وحشة غريبة و حنين أغرب, أكاد أشعربأنفاسك عند عُنُقي و أنا أكتب, و بيدك تُداعب شعري..لم أنسى صورتك التعبة في آخر لقاء لنا, كلماتك المجهدة, أنين شوقك و تشبث يدي بأصابعك عند السلام..لم أكن أريد أن أتركها و كأن روحي معلّقة بأطرافها, لا أعرف لمـــاذا النـــاس قُســـاة؟, يا ليتك معي حتى تجاوبني و تناقشني, لماذا يقيسون الحب بمقايسهم, لماذا لا يحترمونه و يقدّسونه, لماذا يعتبرونه هبل و شغل عيال, أو نوع من التحفُّظ و العورة التي يجب أن نُخفيها, أنا أُحب أن أُحِبُك بصوتِ عالِ و أُغنّي لك و أرقص معك, و أتهور و أُجنّ معك, و لا أحب ما دون ذلك..هكذا وجدتني أُحِبّك بنضارة قلب عذراء و بتدفق قلب أُم و كأني أول إمرأة في الوجود لا تخشى شيئاً لا يهمها الزمان و المكان و لا تقيس مشاعرها.

أتعرف لم تكن أبداً الكتابة إليك مشكلة و لا الحديث معك مشكلة فأنا أتحدث معك بأريحية و أعلم أني لو جالستك أيام لن نتوقف عن الكلام..أنا الآن ُمرهقة منك و كتبت عدة أوراق
و لكني أشعر و كأني لم أكتب شيئاً بعد..



الصورة من عند دودو عاشقة الرومانسية
العنوان إقتباس من رواية جفت الدموع ليوسف السباعي
*المقولة لأحلام مستغانمي
*من أغنية "أنا بعشق البحر" لنجاة الصغيرة