الثلاثاء، 5 أكتوبر، 2010

أيام المصلحه



كنا خمس صديقات تعرفنا على بعض في كُلية الحاسبات و المعلومات جمعتنا ظروفنا المُتقاربه, أفكارنا, تفوقنا الدراسي, مستوانا الإجتماعي و المادي كما جمعتنا أيضاً أيامنا الحلوه من ضحك و سمر و عواطف مُلتهبه و أيامنا المُرّه من إمتحانات صعبه و مشاكل عائليه و عواطف مُنكسره, لكن أكثر شئ جمع بيننا كان الحب كان شئ مُثير للتساؤل و الحسد الذي كنا نخافه كثيراً و دائماً نقول نحن (خمسه).


مضينا في الكُليه بأيدي مُتشابكه لا يستطيع أحد أن يفك هذا التشابك نمشي سوياً و كأننا حائط قوي لا يقدر أحد على هدمه و بقدر تشابُه طباعنا تشابهت ملامحنا و طريقة إرتداءنا للملابس أصبحت واحده تقريباً فنحن نرتاد نفس محال الملابس و الاكسسوارات, و لم تتوقف العلاقه عند الكُليه فقط فمنازلنا كلها كانت مفتوحه وكل واحده لها خمس أمهات كنا دائماً سوياً في الأجازات و الأعياد والسفر نسهر لا نتوقف عن الكلام و ننام لا نتوقف عن الأحلام.


خُطبت إحدانا لأحمد وهو من نفس دُفعتنا كنا نُعارض الخطبه قليلاً نظراً للفرق الشاسع بينهم على الصعيد المادي و الإجتماعي لكنه الحب لا فرق عنده يصيب سهامه و هو معصوب العينين ويضع سحره في عيون المُحبين, و لم يمض كثيراً على تخرُجنا حتى تزوجت و كان زفافها كأنه زفافنا لم نتركها إلا لحظة أن حملها أحمد ودخل بها المصعد و لم أنسى نظرتها لنا لحظتها سعاده ممزوجه برهبه و إمتقع لونها رغم كثره المساحيق, و برغم بعدها عنا لم نبعد نحن عنها فكانت تطير فرحه بزيارتنا المُتكرره و تُلح على أحمد كي تذهب معنا لنمضي يوم من أيام زمان و نحاول و نحاول أن نظل دائماً الحائط الذى لا يستطيع أحد أن يدق به و لا حتى مسمار.


زادت سعادتنا و حماسنا كثيراً عندما جاء تكليفنا سوياً (و التكليف هو العمل الحكومي الذي نلتحق به لمدة عام بعد التخرج كي يتسنى لنا أن نعمل بالقطاع الخاص) و إلتحقنا بإحدى المصالح الحكوميه المرموقه دون جهد أو واسطه فنحن من المتفوقين و وضعتنا المصلحه بفرع جديد لم يحتاج العمل به أكثر من مُديره وبضعة موظفين غيرنا و بدأ العمل و بدأت معه بعض المشاكل الطفيفه بيننا و إلتزم البعض الجدّيه الزائده و راح البعض الآخر يرتاح من عناء سنوات الدراسه و يتعامل مع الشغل وكأنه تحصيل حاصل, بدأنا نختلف من أول الخطوط العريضه للعمل حتى نظافة المكان و من نسيت أن توقّع ورقة أجازة صديقتها أو من تنصّلت من عملها أو من أقامت صداقه مع موظفة الامضاء فأصبحت تتأخّر صباحاً و تُغادر باكراً دون عناء.


لكن أي إختلاف بيننا كان يذوب ذوبان مُكعب الثلج في عصير صيفي لذيذ بمجرد أن نغادر العمل لتناول الغذاء معاً و مر عامان أنجبت خلالهم صديقتنا المتزوجه "يحي" الذي أغضقناه حُباً و أصبح هو أيضاً له خمس أمهات, عملت إحدانا مساءً بإحدى الشركات الخاصه و عملت أُخرى بالمجال التطوعي و الجمعيات الأهليه و كانت أحياناً تُشركنا معها في الأعمال الخيريه, أما أقدمنا في العمل والتي تسلمت عملها قبلنا بأسابيع كانت قد توطدت علاقتها بالمُديره حتى أنها كانت تقضي معها ساعات بالمكتب و تُحدثها تليفونياً في غير أوقات العمل و بدأت تعيش في دور المُديره القادمه و لم يُثير هذا غضبنا فالأوضاع هادئه و الأمن مُستتب.


كُنّا نحاول أن نُحافظ على جمرة صداقتنا مُتقده و نُشعلها بالخروج لأمكان جديده و لكن بدأ القلب يحمل القليل في طياته و كانت المُفاجأه حينما بلّغتنا المُديره أن الفرع الذي نعمل به سيغلق أبوابه و أنه علينا العوده للمصلحه, هرولنا جميعاً للمصلحه التي كانت تعمل كخلية نحل عشرات بل و مئات الموظفين يعملوا بنظام و جدّيه لامكان للمشاعر لا وقت للأحاديث الجانبيه وحواديت عرسان الغفله و النم على خلق الله.


كانت أول صدمه لنا في بُعد المصلحه التي يستغرق الطريق لها ساعه أو أكثر و إتفقنا على أن نذهب كل يوم بسيارة إحدانا و لكن لم يدم هذا الّا أسبوع واحد حتى إنسحبت أقدمنا بالعمل دون سبب واضح و بدأ الأخريات يتململن فكانت صاحبتنا الخيّره تكره الإنتظار و تغضب كثيراً لو مضت (تأخير) و أما صاحبتنا التي تعمل مساءً بالعمل الخاص كانت تُعاني من ضغوط تغيير المُناخ والناس و صعوبة العمل ففاجأتنا يوماً عندما طلبت من صاحبتنا المتزوجه أن تُشاركنا في ثمن البنزين أو أن تدفع ثمن الجراج نظراً لأنها الوحيده التي لا تملك سياره بيننا, وصُدمنا بهذه الفكره فلم يكن بيننا وجود للماديات ومن يومها لم نرى صديقتنا المتزوجه إلا صُدفه .


وكان من الأشياء التي جدّت علينا منذ إنتقالنا للمصلحه هي وجود عاملين رجال و بالرغم من أن هذا لا يعني شيأ لبعضنا لكن للبعض الآخر كان يعني الكثير, فكان زميلنا"عمرو"دائم التردد على الأقسام التي تضُمنا و لا يمر يوم دون أن يوزّع علينا إبتساماته و سلاماته و خمّنت أنا أنه يريد أن يختار عروسه له و لكنه محتار قليلاُ و بُناءً على تخميني و تحليلي أخرجت نفسي من حساباته ببعض الوجوم و نظرات اللاشئ و كان هو الآخر قد حسر إختيره ما بين صديقتنا رائدة الجمعيات الخيريه و الأُخرى التي تعمل مساءً.


و بدأت الأخيره تتجاوب معه و بدأنا نراهم كثيراً في أحاديث مُتصله ومُحادثات هاتفيه طويله لقد إنجذبت له و لم يمر كثيرا حتى طلب منها يوما أن تترك عملها الخاص و بكل أدب رفضت على الأقل في الوقت الحالي و يبدو أنه كان مصمم و جاد و هي الأخرى عنيده و جاده وتبدل حاله سريعا و لم نعد نراه و لم يعد يكلمها حتى فوجئنا بعد وقت قصير و ما أكثر المفاجآت في تلك المصلحه أنه تقدم لخطبة صديقتنا الخيّره.


و ما كان مفاجئ أكثر هو أنها لم ترفضه مباشرة كما توقعنا انما أخذت وقت للتفكير و قابلته بأهلها ثم رفضته لأنه لم يحرك مشاعرها كما قالت و كانت هذه بالطبع نهاية صداقة الفتاتان, تعاطفنا مع كلاهما فالأولى رغم انجذابها له رفضت أن يملي عليها آراءه و شروطه و أي محاوله و لو من بعيد أن يلغي شخصيتها و لم تتوقع أنه بالنذاله أن يتقدم لخطبة صديقتها بعدها و إعتبرت صديقتها أنذل لأنها فكرت مجرد التفكير بالموضوع فهو شيأ منتهي و كيف كانت ستجرؤ على النظر في وجهها لو تزوجته, و الأخرى ربما شعرت أن به بعض الصفات الجيده ربما إنجذبت له قليلاً و لكن عندما حكّمت عقلها رفضته بعد فوات الأوان.

باتت عثرات صداقتنا تنمو و تنمو مثل جبل من الثلج يستحيل ذوبانه و ما خفي منه كان أعظم و لم تعد أحدنا تبذل أدنى مجهود للبقاء على ترابطنا ,أصبحت صداقتنا هشه و الحائط القوي الذي بنيناه على مدى السنوات دبوس كفيل بأن يهدمه بعد أن كثرت به الشروخ, مصلحت كل شخص هي التي باتت تقوده و توجه أقدامه وتسبق خطواته, أصبحنا لا نذهب سويا للعمل و لا نخرج سويا الا نادراً ما 3 على أفضل تقدير و بدأنا بتكوين صداقات جديده بالعمل صداقات نافعه بالطبع إما مديرات أو موظفات مُهمات أو زميلات فاضلات لهن ظهر بالوزاره و أصبحت أذهب للعمل برفقة زميلات لا أعرفهن جيداً و لكنهن يسكن جواري و لديهن سيارات فنتقاسم سوياً عناء القياده و بالطبع تجمعنا المصلحه.


لم يمض الكثير على إستلامنا العمل بالمصلحه حتى أصبحت صديقتنا الأقدم في إستلام العمل مديره بالقسم التي كانت تعمل به و أصغر مديره بالمصلحه علمنا من الموظفين بهذا الخبر كما علمنا أيضاً أنها كانت تكتب لمدير المصلحه تقارير سرّيه عن زملاءها بالقسم تتضمن مدى المامهم بالعمل و أخطاءهم و حرصهم على وقت العمل أيضاً طبعاً من وجهة نظرها المحايده تماماً كما علمنا أنها قامت بزياره تطوعيه للوزاره و قابلت أحد المسؤلين لتُطلعه على أحوال المصلحه و بالأخص قسمها و نقاط الضعف به...لا تعليق.


الآن و بعد مُضي عامان على تركي للمصلحه و بعد أن عُدت منذ أيام من أبوظبي (حيث يقطن والديي و حيث أصبحت أعمل أنا) في أجازه قصيره و قد علمت أن صديقتي المديره أصبحت على مشارف ترقيه أُخرى و تعمل بكل إجتهاد لتلقى إستحسان مديريها, و صديقتي رائدة الجمعيات الخيريه تزوجت في بلدها المنصوره و تعمل هناك و هي الأخرى في زياره للقاهره الآن, و صديقتي التي تعمل مساء بشركه خاصه تركت المصلحه و تعمل الآن بدوام كامل في الشركه و قد تمت خطبتها لزميل لها هناك و تعيش أسعد أيامها, أما صديقتي المتزوجه فقد أنجبت إبنها الثاني منذ عدة شهور و لا تفكر أبداً في العوده للمصلحه بعد أن قررت أن تتفرغ للبيت و الأولاد.


سنتقابل نحن الخمسه بعد ساعه تقريباً و قلبي يدق بعنف فبالرغم من كل شئ توحشتهم كثيراً و أنا أكيده أن لا شئ سيعكر صفو صداقتنا مره أخرى فالفرحه بصوت كلن منهن عندما بلّغتهن بميعاد و مكان مقابلتنا كفيله بأن تعيد تشابك أُيدينا مره أخرى طالما أنه لن تجمعنا المصلحه.












هناك 8 تعليقات:

سندباد يقول...

كل الاشياء تتغير في هذه الدنيا القيم والتقاليد والاعراف فلماذا لا تتغير المشاعر ولماذا انتي مندهشة من هذا التغيير المفاجئ بالنسبة لك والغير مفاجئ لاي شخص ترك معترك الدراسة والشلة والاصدقاء ودخل حرب العمل واكل العيش
لا يوجد مقياس ثابت في هذه الدنيا الا ان هناك موت وحساب وجنة او نار
غير ذلك فكل شئ يتغير
ويجب ان تعتادي علي هذا الامر
اسف علي الاطالة
تحياتي

شيرين سامي يقول...

على فكره دي مجرد قصه أنا عمر ما كان عندي 5 أصحاب و عمري ما اشتغلت بره مصر و انا خريجة صيدله كمان...لكن الحاجه الوحيده الحقيقيه ان كل الناس مبتشوفش غير مصلحتها مهما كانوا قريبين...و بردو سعيده باطالتك.

آخر أيام الخريف يقول...

حلوة قوى قوى ... مستنى جداً جداً

شيرين سامي يقول...

شكرا يا آخر أيام الخريف دائما صداقة الفتيات بتمر بوعكات صحيه خاصة في مرحلة الزواج و الشغل و نورتي مدونتي.

wa7ed w5las يقول...

اسلوب ولا اجمل ولا اروع ..بارفعلك القبعة :)
بصي والله عن تجربة شخصية الصداقة ايام الدراسة غيرما تماما في العمل ... انا مجرب .

في الدراسة كنا بنساعد بعض بطريقة لا ارادية يعني زي ما تقولي كده بمزاجك او غصب عنك هساعدك.
اما في العمل بقي كل واحد بيدور علي مصلحته وعايز يبقي هو الاحسن ولو جه يساعد يدي تلميحات وانت عليك الباقي .. سبحان الله

تحياتي ليكي ..

سندباد يقول...

من صدق الكلمات والمعاني وابداعك تخيلت انها قصة حقيقة
اعتذر علي سوء الفهم
واحييكي علي اسلوبك الجميل
تقبلي اعتذاري مرة اخري
تحياتي

شيرين سامي يقول...

@واحدوخلاص:أشكرك على قراءتك و تعليقك الجميل و طبعا عندك حق في كلامك للأسف ده زمن المصالح المتبادله والصداقه دي آخر إعتبار.
@سندباد:مفيش اعتذار و لا حاجه أنا أحيانا بكتب بصيغة المتكلم عاشان القارئ يحس بصدق الكلمات الأحاسيس حقيقيه لكن طبعا الأحداث من خيالي و شكرا على زيارتك الدائمه و تعليقاتك المشجعه جدا.

زهرة يقول...

حلو اسلوبك .. عيشتينى الحاله جداً .. بحييكى بجد :)