الأحد، 20 يناير، 2013

الرائحة النفاذه


في شرفة المنزل كانت تراقب صغيرها و هو يلهو مع أبناء الأقارب, يفرقعون البُمب و يلعبون بالمسدسات البلاستيكيه ذات الطلقات الصغيره كحبات الأرز, رائحة الفتّه تعبأ الجو, الجيل الأول يقبعون في المطبخ لإعداد لحم الخروف و مشتاقاته, و الجيل الثاني يتسامرون هنا و هناك, أما الجيل الثالث فمكانهم ساحة المنزل الخارجيه يمارسون فيها طقوس العيد بحُرّيه, شعرت هي برائحة نفاذه ليست برائحة الطعام أو العطور النسائية و الرجاليه التي إختلطت في أجواء المنزل منذ الصباح, كأنها رائحة عطرها القديم, رائحة حُضن أبيها أو ملابس أُمها, هي رائحة حنين أشبه بخلاصة الماضي المعبّق بشذى الطفولة.

إستدارت فرأته يقف خلفها في تردد, لهما أعواماً طويلة لم يتقابلا, تغيّرت, إرتدت الحجاب وإزدادت في الوزن بضع كيلوغرامات, هو أيضاً تغيّر, غزا الشيب شعره و إرتسمت خطوط رفيعه على جانبي عيناه, إرتبكت في السلام كعادتها و لم يرتبك كعادته, تبادلا كلمات قليله هي أسئله تقليديه عن الصحّه و الأحاول, عيناه لازالت تحتفظ بنفس نظرة المرح, و نبّرة صوته لازالت واثقة, الرائحة تزكم أنفها بشدّه.

في حديقة النادي كانوا يسيرون جميعاً يتشاركون في الأحاديث, كانت هي تراقبه, تنظر له بطرف عيناها حتى لا ينتبه, تستمع له بشغف, تلاحظ حركاته بإهتمام, شعورها به لم يكن حُب أو إعجاب, لم تتخيله يوماً فارس الأحلام أو رفيق الدرب, لكنه أول من إصطدمت مشاعرها به, أول ولد كبير في محيط حياتها, يزعجها كثيراً أنه لا يعيرها نفس الإهتمام, بل و يتحدث مع الأخريات أكثر, تجرأت يومها و إنتهزت فرصة سيرهما وحيدين بعد أن سبقهم الجميع لشراء الأيس كريم, و سألته "هل نحن أصدقاء؟" و كانت إجابته صادمه "لا" تساءلت ببراءة طفلة لم تكمل عامها الثاني عشر "لم؟" "لأنك صغيره"

لكنه صديق لللأخريات! و هنّ في مثل سنها, لأول مره تعقد مقرانه بينها و بينهن رغم أنها إعتادت أن تُحب نفسها كما هي, ترتدي الجينز و التي شيرت و هن يرتدين البناطيل و البلوزات التي تظهر الأنوثه المُبكّره, تعقص شعرها الطويل ذيل فرس عالي و تتحلى بإبتسامه, و هنّ يكوين شعورهن, يطلقونها, و يتحلين بالإكسسوارت الكبيره, لا تضع المساحيق و هن يلوّن وجوههن و يرسمن عيونهن, حتى معاكسات الشباب كلها من نصيبهن, طبيعي أن يعتبرها صغيره إذن.

في إحدى الأفراح رقصن جميعاً إلا هي, كانت تقف بخجل فتاة لم تكمل عامها الرابع عشر تصقف و تميل ببساطه, رقصه معهن لم يكن يستفزها, هي لا تغير عليه هي فقط تريده صديق, توقف عن الرقص برهه و وقف جوارها ثم مال على أذنها و سألها بإستهزاء "تعرفي ترقصي زيهم؟" زاد إرتباكها, حبست دمعتان للكرامه, إنه لا يعرف أنها تخجل من الرقص أمام الماره و الغرباء, لا يعرف أنها تُحب الرقص كوسيلة للتعبير عن مشاعرها من الفرح و الحُزن وحدها أو في وجود من يشاركها نفس المشاعر و ليس كوسيلة لتحية أصحاب الحفل أو طريقة للإستعراض, لا يعرف أنها تُقدّس جسدها و تخشى عليه من العيون التي تنهش, لا يعرف شيئاً أبداً.

 هي لا تريده حبيب, تريده أن يهتم, أن يحدثها هي و هو ينظر في عيناها, تريد أن تروي له حكاياتها الكثيره و تفاصيلها الصغيره, إنتهزت فرصة وجوده ذات مره في بيتها دون وجودهن, أحضرت له أوراق بيضاء مكتوب فيها بخطط منمنم و أخبرته أنها كتبت قصة قصيره, ضحك و سخر من ميولها الأدبية, تصوّر أنها قصة حمقاء, و لم يكترث بقراءتها, لم تغضب منه, فهو دائماً يراها صغيره فكيف له أن يتوقع من تلك الصغيره أن تكتب من وحي خيالها, لم ينتبه أنها حلّت ضفائر مشاعرها منذ وقت طويل, و راح هو يحكي للجميع إلاهي عن مغامراته و قصصة الشيّقه..و هي تستمع في شغف.

الرائحه النفاذه تجعلها أكثر مرحاً, تُحدثه عن عملها بالكتابة في إحدى المجلّات الأدبية, تحدثه عن الرواية التي بدأت في كتاباتها و عن الدوائر الثقافية التي أصبحت عضواً فيها و عن طموحها في تحويل أحد أعمالها لفيلم قصير, يستمع بشغف, ينظر في عيناها و هو يحدثها بدوره عن البلد الأجنبي الذي كان يقيم فيه, يحكي لها عن الحصيلة العلمية التي حضر بها و عن طموحه في التغيير من أجل وطنه, في خضم الحديث المعبق بالرائحة إلتفتت على صوت إبنها يتحدث مع الصغيرات, كانت واحده منهن ليست مثلهن, ترتدي الجينز و التي شيرت و الحذاء الرياضي و تعقص شعرها ذيل فرس عالي, تنظر للفتى الصغير بترقب و تستمع له بشغف.
أشار لها علي الفتاة الصغيره و أخبرها أنها إبنته, ضحكا بصوت عالي و هما يتنفسا الرائحة النفاذه بعُمق.


هناك 17 تعليقًا:

بـت خـيـخـة وأي كـلام يقول...

جميلة ....أوي

:)

شيرين سامي يقول...

الأجمل هو وجودك يا نورا :)
كده أنا عرفت إنها حلوه ;)

shreif elsaftty يقول...

انه الحب الممزوج بالكبرياء روعه يادكتوره ابدعتي

شيرين سامي يقول...

شريف :)
مش عايزه أحبطك و أقولك إنه لا حب و لا كبرياء
لأنه لو حب كانت هتقرب و هتغير
و لة كبرياء كانت هتزعل و تبعد
هي علاقه كده زي ما بيقولوا
"أكتر من الاخوات"
مبسوطه إنها عجبتك
:)

مصطفى سيف الدين يقول...

بصراحة الفتة بتعمل شغل جامد :)
هي دي القصص الدسمة
تسلم الأيادي :)

جميلة اوي القصة زي ما قلت قبل كده ان احساسك هو اللي بيكتب

شيرين سامي يقول...

مصطفى سيف الدين:

طب عارف إني عارفه إنك هتعلق على موضوع الفته ههههههههههه
ماشي يا مصطفى المهم إن النتيجه طلعت حلوه :)
أشكرك يا صديقي العزيز و أعتز برأيك

موناليزا يقول...

حلوة أوى :)

ليلى الصباحى.. lolocat يقول...

استخدمت عبارات دافئة تحيلنا لزمن جميل فى ماضينا وطفولتنا بكل ماتحمل من احلام رقيقة وحالمة وذكريات سعيدة ترسم ماضى رائع بطفولتنا

نهاية القصة حلقة مفتوحة تقول لنا ان الحياة تستمر والحب لازال ينبض فى قلبيهما حتى انهم غرسوه بقلوب ابنائهم دون ان يشعروا
وهاهى القصة تبدأ من جديد مع الصغار وربما يكون قدرهم افضل نوعا ما من الكبار :) ( مين عارف ) ؟!!!
سلمت اناملك اختى الحبيبة
تحياتى لك بحجم السماء ايتها الراقية

;كارولين فاروق يقول...

جميله جدا واسلوبك اجمل
لم امل من قرائتها ابدا
تحياتي وتقديري

ابراهيم رزق يقول...

أيّها الشاكي الليالي إنَّما الغبطةُ فِكْرَهْ
ربَّما اسْتوطَنَتِ الكوخَ وما في الكوخِ كِسْرَهْ
وخَلَتْ منها القصورُ العالياتُ المُشْمَخِرَّهْ
أيُّها الباكي رويداً لا يسدُّ الدمعُ ثغرَهْ
فتَهَلَّلْ وتَرَنَّمْ ، فالفتى العابسُ صَخْرَهْ
إنَّهُ العيدُ … وإنَّ العيدَ مثل العُرْسِ مَرَّهْ

ايليا ابو ماضى

هى حالة شجن من الماضى اقترنت بالحاضر
دائما للذكريات شجن جميل
دائما بنتطلع للماض و نتذكره
ربما لصعوبة العودة له
ربما للاشتياق للعودة لسن البراءة
ربما لرحيل بعض من نحبهم سواء للسفر او الوفاة او لمشاغل ودوامة الحياة

هى حالة حنين جميلة
مشاعرك هى اللى كتبت

مش عايز اقول زى مصطفى انها دسمة
هغير و اقول انها قصة ضانى شميت رائحتها النفاذه
هههههههههههههههههه

تحياتى

تاكاشى يقول...

جميله جداااا
دائما للمشاعر في أولها رونق خاص .. فلكل بدايه قصه تحيا داخلنا للأبد

شيرين سامي يقول...

موناليزا:

أشكرك يا منى :)

شيرين سامي يقول...

ليلى الصباحى.. lolocat :

صديقتي الجميله أنا سعيده إنك لمحتي و ذكرتي نهاية القصة و الحلقة التي لا تنتهي :)
دائماً تسعديني و تشجعيني بتعليقك

تحياتي و كل الود لكِ

شيرين سامي يقول...

كارولين فاروق:

سعيده إنها عجبت كاتبه جميله مثلك :)

نورتيني

شيرين سامي يقول...

إبراهيم رزق:

الحنين يصبغ كل ما حوله..
يسعدنا..و يؤلمنا

هههههههه هوافق على ضاني بس عشانك

نورتني و أسعدتني بوجودك كالعاده

شيرين سامي يقول...

تاكاشي:

اشكرك و بالفعل البدايات دائماً لها رونق خاص..يحيا للأبد

نورتني
تحياتي لك

ميمي الحامد يقول...

عجبتني جاااا احساسك فيها عالي اووي
جميلة جدا ككل كتاباتك يامبدعة
تحياتي وأشواقي
ميمي