الأحد، 26 مايو، 2013

عندما أقسمت العاهِرة


صعدت بسرعة البرق و بأنفاس مبهورة الستة أدوار حتى تصل للبيت قبل زوجة أبيها, و لكنها ما أن دخلت حتى وجدتها صوب عينيها تنظر لها نظرات كالطلقات النارية تخترق وجهها و صدرها, و قبل أن تفتح فمها صرخت إمرأة أبيها باكية نادبة حظها و بختها في إبنتها الكُبرى, و لمّا أتى الأب مهرولاً مستفهماً عمّا حدث تلونت الحرباء و تحولت فجأة من الندب و الصراخ إلى الوقار و الحكي العاقل, جلست قبالته و هي تُحلّفه بالله ألا يتسرع و ألا يتصرف تصرفاً أحمق يندم عليه فيما بعد, ثم قصّت عليه كيف كانت تشتري بعض المستلزمات الرخيصه من إحدى شوارع حي الأزهر عندما رأت مريم إبنته الكُبرى و هي تنزل من بناية متهالكه في حاره قديمة.
-و لم تكن وحدها..كانت بصحبة هذا الشاب المعدوم , زميلها الذي تقدمّ لخطبتها في إجازة الصيف.
تيقّن الأب على الفور الموقف, فهذا الشاب المغترب كان يسكن بحي الأزهر في شقة صغيره مؤجره من غرفة و صاله كما أخبرهم, إذن مريم إبنته الجميله و أمل عمره الأخضر البريئ كانت مع شاب في شقته, لم يقوى عقله على التصديق, كان الإتهام أعظم من أن يمرّ بخياله, و نظر لإبنته علّها تحول بينه و بين الإنهيار بكلمه, نظر لها كالمحكوم عليه بالإعدام الذي يستجدي أحدهم حتى ينقذه من الهلاك المُبين, و لم ترد مريم إلّا بدمعات حاره نزلت كخطوط طويله على وجهها, جاهد حتى تخرج كلماته بهدوء و سألها إن كان ما قالته زوجه صحيح, و لم تنبس ببنت شفه, إستجمع قواه مرّة أخرى قبل أن يسأل زوجته أن تؤكد له ما رأت, فأقسمت يمين ثلاثه أنها رأتها بصحبته, 
-أعدم إبنتي رأيتها و هي تخرج من البناية في حي الأزهر بصحبته...العاهرة...التي جلبت لنا العار.
صرخت مريم لأول مره في وجوههم جميعاً و هي تنفي تهمة زوج أبيها, و أقسمت يمين ثلاثه أنها لم تطأ حي الأزهر و أنها ليست بعاهرة, لكن المرأة إستمرت تخور كالثور و تنعتها بالعُهر, تنفس الأب الصعداء بقسم إبنته لم يعر زوجته إنتباهاً, فهو رغماً عنه يميل لتصديق إبنته و يتمنى أن تكون زوجته كاذبه, سألها بإهتمام أين كانت إذن, و أجابته بثقه أنها كانت تُذاكر في مكتبة الكُليه و أن بإمكانه الذهاب هناك للسؤال, لم يتمالك الرجل دموعه و قبّل رأسها و هو ينظر بإزدراء لزوجته "يا شيخة حرام عليكِ" و لكنها إستمرت على قسمها و ترديد أنها على إستعداد أن تخسر إبنتها الوحيده إن كانت كاذبه.
مريم دخلت غرفتها و هي تبكي أشدّ مما بكت أمام أبيها, فهي و لأول مره تقسم بالله العظيم كذب.
هي تعرف أنها ليست سندريلا الجميلة حتى تنتظر أن تأتي الساحرة لتهديها السحر و السعادة, و ليست بياض الثلج حتى تنتظر قُبله من أمير تُحييها للأبد, فقد إنتهى عصر الأمراء و لم يبقى من السحر إلّا لمسة حبيبها و نظرته, فهو طوق النجاة الذي أيقنت معه أن للحياة معنى آخر غير المذاكره و الأكل و الوحده, كيف لا تعشق النور الذي تسلل لظلامها الدامس, كيف لا تذوب في القلب الذي إحتواها بعد الحرمان المُرعب, هي لا يهمها إغترابه و لا بيته الصغير و حياته البسيطه هي لا تُفكّر مثلهم في من كان لها ترياق الحُب و الحياه, بعد أن كانت تعيش البؤس مع أب طيب لا يشغله إلّا إرضاء زوجته التي كانت تعاملها أمامه و أمام الناس بيمثاليه شديده و حنان فيّاض, لكن في الحقيقة هي لم تكل لها إلّا كل شر, تهملها, تباعد بينها و بين أبيها, تفرض عليها أشياء كريهه عندما ترفضها بتمرد كانت تعاقب بالحبس و المنع و سلبها أعز أشياءها, و كانت تُخفي أحزانها حتى لا تزيد حياة أبيها بؤساً.
كل ما كان بينهما كان طاهراً و لقاءتهما كانت حُلم, عندما رفض أباها زواجهما لم تغضب و لم تيأس, و برغم أن حبيبها بعِد عنها إلّا أنها أقبلت على حُبّه بشكل أكبر و إستسلمت لمشاعرها دون أي قيود, فهي لم تحبه حتى تتزوجه أو تزجي معه وقتها, هي أحبته و كفى, شاطرت قلبه أحزانه و شربت معه من أنهار العذاب و الإشتياق, و بعد الكثير من محاولات البُعد والإبقاء على الكبرياء و الصمت الجليل في حرم الحرمان و الرضا بالمقسوم, إنهارت كل محاولاتهما الفاشله الكئيبه للبُعد بعد أول لقاء في العام الدراسي الجديد, و دكت المشاعر حصون الكبرياء, و إلتقت القلوب و تعاهدت بميثاق غليظ صامت دون عهود و وعود العُشاق المتناثره هنا و هناك بألا يفرقهما إلّا الموت.
و في أصيل يوم رائع ذهبت معه إلى بيته لإحضار ملزمة دراسية مهمه, و كانت لديها رغبة عارمه في رؤية حياته الهمجية و المكان الذي يحمل عرقه و أنفاسه, و كانت لديها رغبة أكبر في الهروب من عالمها الكئيب الذي يجعلها تتأكد كل يوم كم هي منبوذه و وحيده, هناك قبّلها لأول مره و هو يقرأ معها من الملزمه و عاد للقراءة و كأن شئ لم يكن, و لكن الشفتان إحترقتا و لم يعودا كأن شئ لم يكن إنما بقى فيهما رماد العشق و طعم الشوق اللاذع, تكررت جلسة الدراسه المُطعمه بالقُبُلات المخطوفه, و كان شوقهما و حزنهما في إزدياد و قد رفضت طلبه مراراً في أن يعقد عليها, فهي لازالت تنتظر مباركة أبيها و لو بعد حين, في هذا اليوم عصف بهما الشوق عصفته الكبرى و قبل أن ينشب الحريق قررا تأجيل معركة الشوق إلى أن يتزوجا في كل الأحوال مع إنتهاء العام الدراسي الأخير, و رغم ذلك كانت خائفه و هي بصحبته كخوف السارق و هو يسرق ليسد جوعه, لم تخف منه إنمّا خافت من ضعفهما, من فورة عشق أخرى تأتي على أخضرهما الحالم و يابسهما المجنون, و كرجل نبيل قدّر خوفها و وعدها ألا يجمعهما جدران مره أخرى إلّا في حلال, كانت تخاف الله و تثق في أنه سيسامحهما يوماً ما عندما تتحول الأحلام لحقائق.
وقفت في الشبّاك و هي تدعو ربها أن يسامحها على قسمها الكاذب, بكت كثيراً و هي تبثّ الله ضعفها و شكواها من حياتها المريره و شوقها الحارق لحبيبها, إنها لم تكن تنوي الكذب و لكنها خافت أن يصدق أباها أنها عاهرة و ليس الحُب كالعهر, و ليس الذنب كالعهر, و ليس الطُهر بالثياب و السلوك و لكنه بالقلوب و النوايا, "يا رب أنت أدرى بي منّي فإن كنت أقسمت بك كذب فمن ضعفي و قلة حيلتي و هواني على الناس..يا رب راضية أنا بعقابك و لا أسألك إلّا أن تغفر ذلّتي..يا رب أنا أُحبك و أُحب حبيبي و أُحب أبي..أنا لست عاهرة تبيع جسدها و أنت العليم يا الله"
في المساء سمعت هياج خارج أسوار غرفتها, خرجت و هي مرتعبه على أبيها, فإذا بأختها مريضه و محمومه, يحملها أباها بهلع و هو يوبّخ زوجته : تحلفين على الله كذب و ترهنين حياة إبنتك بقولك الزور..إستغفري الله يا إمرأة و توبي حتى ينجينا من كذبك.
تسمّرت مريم من الصدمه, نعم ليست هي العاهرة و ليس الطُهر بما يظهره الناس و لا بما يحكم به الناس, في هذه اللحظة فقط أيقنت أن الله لا يحاسب الناس إلّا بنواياهم الطيبة و الخبيثه, و كم من طُهر رماه الناس بالعُهر و كم من عُهر أخفته الوجوه الطيبة الحزينة و أدعياء الفضيله, حتى الإستقامة أشاروا لها في السلوك و ما هي إلّا في النفوس.

هناك 30 تعليقًا:

Mahmoud Bahgat يقول...

لا يملك كل من يقرأ كتاباتك إلا ان ينشده من تلاحق الكلمات و الأحداث.
احترت عندما قرأت العنوان فهى ليست عادتك العناوين البراقة او الجاذبة و لكن زادت حيرتى قرب نهاية القصة بمن تقصد بالعاهرة البنت أم زوجة الأب يحتار الأنسان كثيرا فى تقدير المواقف و صعوبتها على من حوله

mostafa gazar يقول...

عندما تعجز الكلمات تعجز عن التعبير ..........صدقا لا اجد ما أقول .....ولا أستطيع ان اصف شعورى .....
1000000000000000000000000 لايك
:)

shreif elsaftty يقول...

بجد رائعه جدا يادكتوره ابهرتني تسلم ايدك اشتقنا لكتباتك

مصطفى سيف الدين يقول...

و هكذا هي الحياة رؤيتها من جانب واحد يفقدها صورتها المجسمة هي عليها
القصة بديعة
أعجبني تناولك لاحساس بطلتك
كعادتك قلمك ينبض احساسا يتدفق

مها البنا يقول...

جميلة قوي يا شيري ..
لا أسكت الله لكِ قلما :)

"ليس الذنب كالعهر"

أرفع القبعة

richardCatheart يقول...

صباح الررررررررررروعة

رائعة يا شرى مضمون وثرد حقيقى :)

فاتيما يقول...

يا لهوى عليكى يا شوشو !!!

اعم فيكى ايه
وف جمالك ورقتك
وشفافيتك
وبراءة ونقاء ما تكتبينه

وبتقولى انك ف اوقات عاوزة تطفشى
وتبطلى تكتبى .. ؟!!!


حرام عليكى لو عملتيها
بجد

تسلمى
وتسلم كل ناجية أفلتت
من قسم عاهرة ...


العنوان تحففففففففففة
بجد

وانتى حبيبتى
وانتى عارفة
أكيد
وبجد

:-*

الازهرى يقول...

:'(

P A S H A يقول...

الأسلوب جميل جداً والقصة مكتوبة بحرفية عالية :))
تسلم إيدك يا دكتورة

Bent Men ElZman Da !! يقول...

وحشتنى جداااا كتاباتك :)
دايماً بتكتبى كل حاجة بطريقة مختلفة وممتعة

Ramy يقول...

متهيئلى

انا حرقت الشاشة من التنهيدة اللى بعد قرايت البوست دة ((:

.........

عارفه الناس بتعجبها جدا جدا القصص دى

بس هل فعلا لو فى حد يعرف فعلا قصه حقيقيه قدامه هيكون رد فعله ايه

ابراهيم رزق يقول...

أنا عنكِ ما أخبرتهم

لكنهم لمحوكِ

تغتسلينَ في أحداقي

أنا عنكِ ما كلمتهم

لكنهم قرؤوك في حبري وفي أوراقي

للحبِّ رائحةٌ

وليس بوسعها ألا تفوحَ

مزارعَ الدُّراقِ
نزار قبانى

اولا

ماذا اقول بعد كل ما قيل
انا قريت القصة بعد نزولها بدقائق و لكنى قرائتها و انا خارج البيت ولم استطيع التعليق

اعجبنى فى القصة بطلتها التى صورتيها كبشر و لم تصوريها بصورة ملائكية
هى تجب و تخطأ اما العاهرات فكثيرون مما يحيطوا بنا يمتهنون العهر و لكن بصور مختلفة و اقلهن ذنبا عاهرات البغى و اكثرهن العهر السياسى و الدينى
جميلة جداالقصة و احيانا و غالبا كثرة التحليل تفقد القصة جمالها

تحياتى

عبارات عاريه يقول...

نفوس مستقيمه
حقا هذا هو اللفظ الاحق بالاتباع من لفظ سلوك مستقيم
فعسانا ندعوا الله معا ان تستقيم الانفس والارواح فهى الاولى بالستقامه من السلوك
شكرا على تميزك

شيرين سامي يقول...

محمود بهجت:
أشكرك على كلماتك بحق كتاباتي المتواضعه و أتمنى أن أظل عند حسن ظنك..أما العاهره فسأترك الإجابه لإحساسك هو الذي سيدلك على معنى الععر الحقيقي و من تكون العاهره.
تحياتي الخالصه لك

شيرين سامي يقول...

مصطفى جزر:
أشكرك يا مشجعي و متابعي العزيز :)
تحياتي الدائمه لك

شيرين سامي يقول...

شريف الصفطي:
أشكرك و أسعدني مرورك جدا :)
تحياتي الخالصه لك

شيرين سامي يقول...

مصطفى سيف:
أشكرك و سعيده إن القصة عجبتك :)
تحياتي الخالصه لك

شيرين سامي يقول...

مها البنا:
نورتيني يا مها بعد غياب بجد مبسوطه إنعا عجبتك :)
أرق تحية لك

شيرين سامي يقول...

مارو:
شكرا يا مارو بجد بحب وجودك جدااا :)
أرق تحية لك

شيرين سامي يقول...

فاتيما:

عايزه أقولك اني كالعاده كل شويه أرجع لتعليقك و أقراه و أنا سعيده مش بس عشان انت سكر و كلامك حلو..لكن عشان أقرى القصة متلخصه في كلمتين..تسام كل ناجيه أفلتت من قسم عاهرة..صدقتي
أنا كمان مش محتاجه أقولك بحبك قد إيه :)
نورتيني يا أم يوسف يا قمر

شيرين سامي يقول...

الأزهري :
لا تحزن :)

شيرين سامي يقول...

باشا :
أشكرك يا شريف كلامك شهاده أعتز ببها جدا :)
تحياتي الخالصه لك

شيرين سامي يقول...

بنت من الزمن ده:
أشكرك يا دندونه و بجد إفتقدت و جودك :)
منوراني دايما

شيرين سامي يقول...

رامي:
:)
عارفه إحساسك و مبسوطه إن القصة وصلتك كده
منورني دايما يا صديقي الطيب

شيرين سامي يقول...

إبراهيم رزق:

أولا أشكرك على هديتك الشعريه الجميله :)
و تعليقك أضاف للقصة و معناها
أشكرك بجد
تحياتي الدائمه لك

شيرين سامي يقول...

عبارات:
أشكرك على كلماتك الجميله و سعيده ان القصة عجبتك
نورتيني في أول زياره :)

Ramy يقول...

ليييييييييييييييييييييه

شيلتى البوست

؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

!!!!!!!!!!!!!!!

دا لسه بقول يا هادى

و هعلق على جزء جزء

دا بداية البوست جهنمية

فأنا من لم أكن قبلك سوى سحابه تسبح في فضاء الخيال و بعدك أصبحت قطعة من الجنون تمشي على الأرض, أنا من ضعت فيك حتى المنتهى و من غيّرتني عيناك إلى كائن ينبض, و أنت من أمطر حُبه بمواسم من الفرح على جفاف أيامي, أقاوم و أنا أكتب لك رغبة محمومة في البكاء, لماذا يرتبط الصدق بالدموع, ليتك جواري حتى تجاوبني على ألف سؤال يدور برأسي و لو أني أنساهم جميعاً بمجرد أن يأتيني صوتك..

أووف ...أووف .... أوووف.... أوووف

على رايى اللبنانيين ((:

شيرين سامي يقول...

رامي:

:)
و الله يا رامي أنا عارفه إنها حركه بايخه جداً إن حد ينزل بوست و بعدين يشيله.. بس أنا شلته بناء على رغبة إنسان عزيز علّيه ماكنش ينفع أقوله لأ.
و يمكن أقدر أقنعه و أنزل البوست تاني :)
أنا آسفه يا رامي و بما إن البوست كان أووووف فأنا بوعدك ما راح أحذف بوست تاني يا خيي :)

Deyaa Ezzat يقول...

عجبتني القصة جدا.. وعجبني ارتباط العنوان بالنهاية

شيرين سامي يقول...

ضياء عزت:

شكراً يا ضياء
ملحوظة في مكانها :)
نورتني