
إستيقظت كعادتها مع شروق الشمس في تمام الخامسه والنصف صباحاً نهضت متثاقله منهكه الروح و الجسد تمشي بقدمين ثقيلتين و كأن أحداً قد دق بهما حدوتا حصان,ظلت تطوف بالبيت تُعد طعام الإفطار و تُحضر لطعام الغداء و تكوي الملابس و تُرتب أغراض المدرسه و الحضانه الخاصه بأطفالها و سرعان ما زال عنها التثاقل بل و تبدل بنشاط و همه عاليه,راحت توقظ إبنها الكبير بأن تروي له قصه عن أحد أبطاله المفضلين و تدغدغ الصغير برفق لينهض هو الآخر تُفطر هذا وتُلبّس ذاك.
حتى بدأوا يتحدثوا حديثهم الذي لا ينقطع و تحول الحديث لصُراخ و تبدد الهدوء المؤقت بالحرب المستمره و قذائف من الألعاب و الوسائد و طعام يُلقى على الأرض الأمر لا يخلو بالطبع من بعض الخربشه و العض و القرص (و ما ينوب المخلص إلا تقطيع هدومه)و لكن ياريت على قد الهدوم فهذه اللحظه التي تسمع فيها جملته المعتاده كل يوم,أول ما ينطق به لسانه لهم صباحاً وأول ما يطرق آذانهم منه:
-مش عارف أنام الله يخرب بيوتكوا.
في هذه اللحظه يلتزم الجميع الصمت و تهرول هي بهم خارج المنزل خشيه عبوسه و نكده الذي يظل كطوق حول رقبتها يخنقها طوال اليوم,
-ماما نسيت تلمعيلي الجزمه.
-معلش يا حبيبي.
-ماما نسيت تعمليلي...
-بُكره يا حبيبي.
-ماما مُمكن تحكيلي...
-لما نرجع يا حبيبي.
تركت الصغير بالحضانه و أخذت تاكسي مع الكبير لتوصله للمدرسه و بعد القُبُلات و(البيبيات) الكثيره أخذت الشارع العمومي في إنتظار الباص المكيف الذي بالطبع لا يمت للتكيف بصله, و استقرت الشمس فوق رأسها الذي نسيت كيف كان بدون صُداع و راح العرق يتصبب من جبينها و بين طيات شعرها و جسمها لا تفلح نسمات الصباح الباكر أن تُلطف من أشعه الشمس المحرقه, تكاثر الخلق من حولها كادت تحفظ الوجوه من كثرة ما رأتهم كل يوم في نفس المعاد و المكان منهم الطلبه و المُحبين و المبصبصين و المنهكين و من دهسهم قطار الهموم, جاء بعد طول انتظار السي تي ايه المُبجل و بكل سرعتها اندفعت لتجد لنفسها مكاناً تجلس به خاصةً و أن اليوم الزحام فاق بقية الأيام جلست تلملم أطرافها و تحاول هندمة نفسها من آثار الانتظار الطويل الحار.
وقف بالقرب منها بعض الشباب لم يتجاوز عمرهم العشرين ,و الذين لم يجلسوا نظراً للزحام كان صوتهم عالي و محشرج و لهم مظهر السوابق الذي نعرفه من الأفلام من ملابس رثه و ذقن منبته و متشابكه كخيوط العنكبوت نظره اجراميه حاذقه و أُخرى بلهاء,إرتطم الباص بإحدى المطبات العفيه فاندفع بإتجاهها إحدى الشبان حتى إرتطمت ركبته بركبتها نظرت له بغيظ و الغريب أنه لم يبتعد إنما ظل قريب منها يفتعل أي حركه ليلصق نفسه بكرسيها فما كان منها إلا أن كلمته بأدب:
-من فضلك ممكن بعد إذنك تتاخر شويه...
-إيييييه أنا جيت جنبك!!!
قالها بصوت مسموع و بعينيه نظره لا يجب أن يكون ردّها إلا صفعه عاليه مدويه على الوجه و القفا مع بعض, حاولت أن تتناساه و تتقوقع في كرسيها حتى جاء الفرج و تركت الباص مسرعةًإلى العمل جاهزةً لتسمع كلمتين في العضم بسبب التأخير, لم تكن ساعات العمل رتيبه و مُمله ككل يوم فحسب بل كانت مُرهقه أيضاً, كانت تسعى بين جنبات العمل و طوابقه المتعدده في محاوله أخذ أجازه أسبوع لتستطيع متابعه امتحانات إبنها, و ظلت تصعد و تنزل و تنزل و تصعد عدّة مرات قبل أن تحصل على الموافقه الغاليه, و بعد أن قصّت على جميع مديريها أسباب و حيثيات الأجازه المزعومه و أثناء صولاتها و جولاتها في العمل لمحت إحدى زميلاتها التي كانت منهمكه بالعمل, و إذا بها تلمع عيناها كلمعة الشروق و تحمّر وجنتاها كحُمرة الغروب و تطير من مكتبها غير عابئه بأوراق العمل التي تساقطت على الأرض حتى تلقى خطيبها الذي كان يطُل من الشباك في إنتظارها.
(يا بنت الهبله) فلتت منها ضحكة سخريه حتى سمعت من يحدثها من وراء ظهرها:
-بتضحكي على إيه ما إنت كنت زيها كده من كام سنه لما كان بيجيلك أو حتى يكلمك على الموبايل.
عندها حق كان تأثير السحر في قمته و كانت مرآة الحب عاميه و طرشا و خرسا حينها نظرت بحسره على تليفونها المحمول الذي لم يعُد يحمل منه شيأً كرسائل أو إتصالات رقيقه للإطمئنان عليها أو ما شابه ذلك...لكن لماذا و هي أمامه كل يوم, ما علينا انتهت أخيراً من العمل الذي لا تحبه و لم و لن تنبغ فيه و توجهت مره أخرى لأقرب شارع رئيسي في إنتظار السي تي ايه المُبجل و حين ظهر سريعاً هذه المره كانت أسعد لحظات يومها.
جلست بجوار إمرأه بالخمسين من العمر ترتدي تايير أسود كالح اللون عليه بعض بقايا تطريز على الريفيرا ,و قد إرتسمت على وجهها علامات الإجهاد الشديد و كان على شفتيها شبه إبتسامه شاحبه تأوهت بصوت لم يسمعه إلا جارتها في الباص:
-حضرتك تعبانه.
ردّت بصوت متهدج:لا أبداً يا بنتي أنا رُكبي بتنأح عليّه شويه.
-طيب أنا معايا مُسكّن كويس...
-لسّه واخده حبايه قبل ما أسيب الشغل.
-حضرتك بتشتغلي ؟
-بقالي 30 سنه...مش باين عليّه و لاّ ايه؟!!
قفزت في ذهنها فجأه صورتها بعد 30أو 20 سنه من الآن..نفس العمل نفس المجهود نفس السي تي ايه و نفس العرق..لا لا انها دائماً تنتظر مستقبل أفضل و عمل تحبه و صفاء للبال إن غدها حتماً لا يوجد به سي تي ايه, قطعت حبل أفكارها العجوز بالخمسين:
-الشغل دلوقتي بقى حاجه مهمه أوي للست.
-و الله يا مدام لو الشغل ماشي من غيري ولا بيضفلي و لا بضيفله يبقى قللته أحسن.
تمتمت المرأه بكلام غير مسموع و كأنها تواسي نفسها و راحت هي تتذكر خالتها التي في نفس عمر المرأه و لكن أصغر منها في مظهرهاعلى الأقل بعشرة أعوام ,وهذا يرجع لأن خالتها التي تُدير احدى الجاليريهات تُحب عملها و لا تستخدم المواصلات العامه تحافظ على أناقتها و طلّتها البهيه لأنها لديها الوقت و(النفس) لتعتني بنفسها, أما هي و جارتها بالسي تي ايه فهم بالتأكيد من الطبقه الكادحه طبقه المرأه العامله المتمرمطه.
وقع نظرها و هي تسبح في بحر أفكارها الكئيبه على أظافرها فوجدتها متسخه و بها ظفر مكسور تنسى كل يوم أن تقصّه, أخرجت مرآه صغيره من حقيبتها و تأملت وجهها فوجدت كثير من الحبوب الصغيره المتناثره كما لاحظت حاجباها الغير مهذبان تحسرت على أيام زمان قبل أن تتوه في غيابات الزواج و سراديب الخلفه, أعادت المرآه لحقيبتها أسندت رأسها على الكرسي الغير مُريح أغمضت عيناها و راحت في غفله تعودت مرغمه أن تأخذها كل يوم في طريق العوده.
في لحظات نومها تذهب بخيالها لبعيد فترى نفسها في صور شتّى,ترى نفسها أحياناً نبع مياه تنساب بعذوبه على صخور ملساء داكنة اللون فتسقط لتروي أرض شاسعه خضراء تأكل من حشائشها أغنام ناصعة البياض, ترى نفسها في نهار مشمس بساعه مبكّره حبات رمال على شاطئ طويل دافئه ناعمه تغمرها مياه البحر المالحه كل حين فتُنقّيها من أي شوائب و تُبرّئها من أي داء,أحياناً ترى نفسها حصان جامح بني اللون طويل الشعر يطلق ساقيه للريح فيطير شعره الحريري وراءه و تهتز الأرض تحت قدميه يذهب الى أقصى الأرض ثم يقف ليستريح أمام بُحيره صغيره مياهها عذبه و بارده, رأت نفسها يوماً شجره كبيره وارفه لها أغصان كثيره و أوراق على شتّى ألوان الخضار مُثمره بألذ و أطيب الفاكهه, قويه ثابته شاهقه تمر بها الناس فتستظل بظلها و تتذوق ثمارها ثم تتركها وحدها.
اليوم ترى نفسها طائر مُغرد أبيض وأطراف جناحيه و ذيله بُنيه اللون يطير مُحلقاً بزرقة السماء يمر بكل البلاد ثم يعود لوطنه الذي يُحبه و عشه الدافئ, و لكن في احدى جولاته و يملأه نسيم الحُريه لمح نبله يُنشن بها أحد عليه فصرخ....وفتحت هي عيناها فإذا بيد تنسحب بسرعه من جنبها بجوار الشباك نظرت أُوتُوماتيكياً خلفها غير مستوعبه ما يحدث فوجدته رجل في أواخر الخمسينات بدين و مُقرف في مظهره تظاهر بأنه يريد إغلاق الستاره التي تبدأ من عند شباكها و لكن هيهات أن تُصدقه فإغلاق الستاره من فوق و ليس من تحت.
نهضت بعصبيه لطمته بحقيبتها السوداء الكبيره الثقيله و لطمت كل من حولها في هستريا عارمه مُردده(يا ولاد الكلب..يا ولاد الكلب) هذا ما تمنته لكن ما حدث أنها نهضت و نزلت من السي تي ايه قبل محطتها مُكفهرة الوجه و أخذت تاكسي بعد قليل من الإنتظار لمدرسة إبنها, عادت للمنزل و طفلاها يبكيان و يصرخان لأنها لم تستجب لطلبهما أن تأخذهما للسوبرماركت ليمكثوا ساعه أُخرى يختاروا الحلوى, بمجرد أن دخلت المنزل (بالهُليله)
جاءها صوته من الداخل:
-هو الواحد ميعرفش ينام في البيت ده...
-هو انت لسّه نايم!!
-لأ لسّه راجع و عايز أريّح شويه.
-ممكن تقعد مع الولاد على ماأخلّص الغدا.
-لأ.
تركت كل شئ و دخلت الحمام لتستحم و تُزيل عن جسدها و رأسها التراب و التعب و كان صوتهم يأتيها من خلف الباب:
-ماما تعالي لبّسيني.
-ماما أنا عايز أدخل الحمام.
-تعالي سكّتيهم يا مدام.
(مدام يا ريتني فضلت آنسه) خرجت لامعه من الحمام إرتدت ملابس أُخرى نظيفه و إستعدت للخروج فجاءها بعد أن باءت كل محاولات نومه بالفشل.
-انت نازله تاني؟
-هشتري شوية حاجات للأكل.
-طب و العيال؟
-مش هتأخر.
لم يتردد قليلاً قبل أن يقول:
-و إنت بتلمعي جزم العيال الصُبح...إبقي لمّعي جزمتي.
(يا ننوس عين ماما) نظرت له بدهشه قد إتسعت عيناها و فغر فاها ثم قالت:
-تعرف أنا نفسي في إيه؟ نظر لها في إنتظار أن تُكمل.
-نفسي أجيب طبنجه و أفرّغها في كل الناس اللي حوليه ما عدا ولادي و أهلي و أصحابي.
تركها و ذهب بعيداً وهو يضرب كفاً بكف وكأن أصابها الجنون, أما هي فأخذت أموال من الدُرج و هي تعلم أن هذه فلوس فواتير التليفون و الكهربا و خرجت بعد أن استقر أطفالها.
لم تكن تنوي شراء طلبات للأكل كما أخبرته و إنما توجهت للكوافير ليضيف أسباب الجمال لشعرها وأظافرها و يضع لمسته السحريه على بشرتها و حاجبيها,كانت قد نسيت متعمده الموبايل بالمنزل, ثم توجهت إلى شارع قريب ملئ بالدكاكبن و دخلت إحدى المحال إشترت بعض الملابس المنزليه المريحه بألوان مُبهجه مُحاوله أن تُصبح سعيده من الداخل أولاً كما إشترت بيجامه ناعمه دافئه رغم أنها صيفيه كلفها الأمر الكثير لكن لا بأس..كله فداء لحظات من السعاده, ذهبت أيضاً لمحل مكياج و عطور إشترت روج بمبي لامع بلون حياتها في الصبا و مانيكير بنفس اللون و اخر أحمر قُرمزي كما إشترت عطر ليس من الماركات العالميه و لكنه زكي و فوّاح كما أنه صغير تستطيع أن تحمله معها في حقيبة يدها.
نفذت أموالها لكن بالطبع لن تكون آخر مره تخرج و تبتاع نفسها بعض الراحه و السعاده, عزمت على أن تُجدد حياتها و تقضي بعض الوقت وحدها ستعتني بنفسها كما تعتني بهم و أكثر و ستبحث عن عمل اخر تُحبه و تكون فعاله به, ستهجر السي تي ايه في يوم من الأيام, ستنجح و سيصل نجاحها عنان السماء,ستُسافر مع زوجها في رحلة شهر عسل أُخرى تتجدد فيها المشاعر و يخفق القلب مره أُخرى و لكن كل ده طبعاً في أحلامها الخياليه السي تي ايهيه فقط.
حتى بدأوا يتحدثوا حديثهم الذي لا ينقطع و تحول الحديث لصُراخ و تبدد الهدوء المؤقت بالحرب المستمره و قذائف من الألعاب و الوسائد و طعام يُلقى على الأرض الأمر لا يخلو بالطبع من بعض الخربشه و العض و القرص (و ما ينوب المخلص إلا تقطيع هدومه)و لكن ياريت على قد الهدوم فهذه اللحظه التي تسمع فيها جملته المعتاده كل يوم,أول ما ينطق به لسانه لهم صباحاً وأول ما يطرق آذانهم منه:
-مش عارف أنام الله يخرب بيوتكوا.
في هذه اللحظه يلتزم الجميع الصمت و تهرول هي بهم خارج المنزل خشيه عبوسه و نكده الذي يظل كطوق حول رقبتها يخنقها طوال اليوم,
-ماما نسيت تلمعيلي الجزمه.
-معلش يا حبيبي.
-ماما نسيت تعمليلي...
-بُكره يا حبيبي.
-ماما مُمكن تحكيلي...
-لما نرجع يا حبيبي.
تركت الصغير بالحضانه و أخذت تاكسي مع الكبير لتوصله للمدرسه و بعد القُبُلات و(البيبيات) الكثيره أخذت الشارع العمومي في إنتظار الباص المكيف الذي بالطبع لا يمت للتكيف بصله, و استقرت الشمس فوق رأسها الذي نسيت كيف كان بدون صُداع و راح العرق يتصبب من جبينها و بين طيات شعرها و جسمها لا تفلح نسمات الصباح الباكر أن تُلطف من أشعه الشمس المحرقه, تكاثر الخلق من حولها كادت تحفظ الوجوه من كثرة ما رأتهم كل يوم في نفس المعاد و المكان منهم الطلبه و المُحبين و المبصبصين و المنهكين و من دهسهم قطار الهموم, جاء بعد طول انتظار السي تي ايه المُبجل و بكل سرعتها اندفعت لتجد لنفسها مكاناً تجلس به خاصةً و أن اليوم الزحام فاق بقية الأيام جلست تلملم أطرافها و تحاول هندمة نفسها من آثار الانتظار الطويل الحار.
وقف بالقرب منها بعض الشباب لم يتجاوز عمرهم العشرين ,و الذين لم يجلسوا نظراً للزحام كان صوتهم عالي و محشرج و لهم مظهر السوابق الذي نعرفه من الأفلام من ملابس رثه و ذقن منبته و متشابكه كخيوط العنكبوت نظره اجراميه حاذقه و أُخرى بلهاء,إرتطم الباص بإحدى المطبات العفيه فاندفع بإتجاهها إحدى الشبان حتى إرتطمت ركبته بركبتها نظرت له بغيظ و الغريب أنه لم يبتعد إنما ظل قريب منها يفتعل أي حركه ليلصق نفسه بكرسيها فما كان منها إلا أن كلمته بأدب:
-من فضلك ممكن بعد إذنك تتاخر شويه...
-إيييييه أنا جيت جنبك!!!
قالها بصوت مسموع و بعينيه نظره لا يجب أن يكون ردّها إلا صفعه عاليه مدويه على الوجه و القفا مع بعض, حاولت أن تتناساه و تتقوقع في كرسيها حتى جاء الفرج و تركت الباص مسرعةًإلى العمل جاهزةً لتسمع كلمتين في العضم بسبب التأخير, لم تكن ساعات العمل رتيبه و مُمله ككل يوم فحسب بل كانت مُرهقه أيضاً, كانت تسعى بين جنبات العمل و طوابقه المتعدده في محاوله أخذ أجازه أسبوع لتستطيع متابعه امتحانات إبنها, و ظلت تصعد و تنزل و تنزل و تصعد عدّة مرات قبل أن تحصل على الموافقه الغاليه, و بعد أن قصّت على جميع مديريها أسباب و حيثيات الأجازه المزعومه و أثناء صولاتها و جولاتها في العمل لمحت إحدى زميلاتها التي كانت منهمكه بالعمل, و إذا بها تلمع عيناها كلمعة الشروق و تحمّر وجنتاها كحُمرة الغروب و تطير من مكتبها غير عابئه بأوراق العمل التي تساقطت على الأرض حتى تلقى خطيبها الذي كان يطُل من الشباك في إنتظارها.
(يا بنت الهبله) فلتت منها ضحكة سخريه حتى سمعت من يحدثها من وراء ظهرها:
-بتضحكي على إيه ما إنت كنت زيها كده من كام سنه لما كان بيجيلك أو حتى يكلمك على الموبايل.
عندها حق كان تأثير السحر في قمته و كانت مرآة الحب عاميه و طرشا و خرسا حينها نظرت بحسره على تليفونها المحمول الذي لم يعُد يحمل منه شيأً كرسائل أو إتصالات رقيقه للإطمئنان عليها أو ما شابه ذلك...لكن لماذا و هي أمامه كل يوم, ما علينا انتهت أخيراً من العمل الذي لا تحبه و لم و لن تنبغ فيه و توجهت مره أخرى لأقرب شارع رئيسي في إنتظار السي تي ايه المُبجل و حين ظهر سريعاً هذه المره كانت أسعد لحظات يومها.
جلست بجوار إمرأه بالخمسين من العمر ترتدي تايير أسود كالح اللون عليه بعض بقايا تطريز على الريفيرا ,و قد إرتسمت على وجهها علامات الإجهاد الشديد و كان على شفتيها شبه إبتسامه شاحبه تأوهت بصوت لم يسمعه إلا جارتها في الباص:
-حضرتك تعبانه.
ردّت بصوت متهدج:لا أبداً يا بنتي أنا رُكبي بتنأح عليّه شويه.
-طيب أنا معايا مُسكّن كويس...
-لسّه واخده حبايه قبل ما أسيب الشغل.
-حضرتك بتشتغلي ؟
-بقالي 30 سنه...مش باين عليّه و لاّ ايه؟!!
قفزت في ذهنها فجأه صورتها بعد 30أو 20 سنه من الآن..نفس العمل نفس المجهود نفس السي تي ايه و نفس العرق..لا لا انها دائماً تنتظر مستقبل أفضل و عمل تحبه و صفاء للبال إن غدها حتماً لا يوجد به سي تي ايه, قطعت حبل أفكارها العجوز بالخمسين:
-الشغل دلوقتي بقى حاجه مهمه أوي للست.
-و الله يا مدام لو الشغل ماشي من غيري ولا بيضفلي و لا بضيفله يبقى قللته أحسن.
تمتمت المرأه بكلام غير مسموع و كأنها تواسي نفسها و راحت هي تتذكر خالتها التي في نفس عمر المرأه و لكن أصغر منها في مظهرهاعلى الأقل بعشرة أعوام ,وهذا يرجع لأن خالتها التي تُدير احدى الجاليريهات تُحب عملها و لا تستخدم المواصلات العامه تحافظ على أناقتها و طلّتها البهيه لأنها لديها الوقت و(النفس) لتعتني بنفسها, أما هي و جارتها بالسي تي ايه فهم بالتأكيد من الطبقه الكادحه طبقه المرأه العامله المتمرمطه.
وقع نظرها و هي تسبح في بحر أفكارها الكئيبه على أظافرها فوجدتها متسخه و بها ظفر مكسور تنسى كل يوم أن تقصّه, أخرجت مرآه صغيره من حقيبتها و تأملت وجهها فوجدت كثير من الحبوب الصغيره المتناثره كما لاحظت حاجباها الغير مهذبان تحسرت على أيام زمان قبل أن تتوه في غيابات الزواج و سراديب الخلفه, أعادت المرآه لحقيبتها أسندت رأسها على الكرسي الغير مُريح أغمضت عيناها و راحت في غفله تعودت مرغمه أن تأخذها كل يوم في طريق العوده.
في لحظات نومها تذهب بخيالها لبعيد فترى نفسها في صور شتّى,ترى نفسها أحياناً نبع مياه تنساب بعذوبه على صخور ملساء داكنة اللون فتسقط لتروي أرض شاسعه خضراء تأكل من حشائشها أغنام ناصعة البياض, ترى نفسها في نهار مشمس بساعه مبكّره حبات رمال على شاطئ طويل دافئه ناعمه تغمرها مياه البحر المالحه كل حين فتُنقّيها من أي شوائب و تُبرّئها من أي داء,أحياناً ترى نفسها حصان جامح بني اللون طويل الشعر يطلق ساقيه للريح فيطير شعره الحريري وراءه و تهتز الأرض تحت قدميه يذهب الى أقصى الأرض ثم يقف ليستريح أمام بُحيره صغيره مياهها عذبه و بارده, رأت نفسها يوماً شجره كبيره وارفه لها أغصان كثيره و أوراق على شتّى ألوان الخضار مُثمره بألذ و أطيب الفاكهه, قويه ثابته شاهقه تمر بها الناس فتستظل بظلها و تتذوق ثمارها ثم تتركها وحدها.
اليوم ترى نفسها طائر مُغرد أبيض وأطراف جناحيه و ذيله بُنيه اللون يطير مُحلقاً بزرقة السماء يمر بكل البلاد ثم يعود لوطنه الذي يُحبه و عشه الدافئ, و لكن في احدى جولاته و يملأه نسيم الحُريه لمح نبله يُنشن بها أحد عليه فصرخ....وفتحت هي عيناها فإذا بيد تنسحب بسرعه من جنبها بجوار الشباك نظرت أُوتُوماتيكياً خلفها غير مستوعبه ما يحدث فوجدته رجل في أواخر الخمسينات بدين و مُقرف في مظهره تظاهر بأنه يريد إغلاق الستاره التي تبدأ من عند شباكها و لكن هيهات أن تُصدقه فإغلاق الستاره من فوق و ليس من تحت.
نهضت بعصبيه لطمته بحقيبتها السوداء الكبيره الثقيله و لطمت كل من حولها في هستريا عارمه مُردده(يا ولاد الكلب..يا ولاد الكلب) هذا ما تمنته لكن ما حدث أنها نهضت و نزلت من السي تي ايه قبل محطتها مُكفهرة الوجه و أخذت تاكسي بعد قليل من الإنتظار لمدرسة إبنها, عادت للمنزل و طفلاها يبكيان و يصرخان لأنها لم تستجب لطلبهما أن تأخذهما للسوبرماركت ليمكثوا ساعه أُخرى يختاروا الحلوى, بمجرد أن دخلت المنزل (بالهُليله)
جاءها صوته من الداخل:
-هو الواحد ميعرفش ينام في البيت ده...
-هو انت لسّه نايم!!
-لأ لسّه راجع و عايز أريّح شويه.
-ممكن تقعد مع الولاد على ماأخلّص الغدا.
-لأ.
تركت كل شئ و دخلت الحمام لتستحم و تُزيل عن جسدها و رأسها التراب و التعب و كان صوتهم يأتيها من خلف الباب:
-ماما تعالي لبّسيني.
-ماما أنا عايز أدخل الحمام.
-تعالي سكّتيهم يا مدام.
(مدام يا ريتني فضلت آنسه) خرجت لامعه من الحمام إرتدت ملابس أُخرى نظيفه و إستعدت للخروج فجاءها بعد أن باءت كل محاولات نومه بالفشل.
-انت نازله تاني؟
-هشتري شوية حاجات للأكل.
-طب و العيال؟
-مش هتأخر.
لم يتردد قليلاً قبل أن يقول:
-و إنت بتلمعي جزم العيال الصُبح...إبقي لمّعي جزمتي.
(يا ننوس عين ماما) نظرت له بدهشه قد إتسعت عيناها و فغر فاها ثم قالت:
-تعرف أنا نفسي في إيه؟ نظر لها في إنتظار أن تُكمل.
-نفسي أجيب طبنجه و أفرّغها في كل الناس اللي حوليه ما عدا ولادي و أهلي و أصحابي.
تركها و ذهب بعيداً وهو يضرب كفاً بكف وكأن أصابها الجنون, أما هي فأخذت أموال من الدُرج و هي تعلم أن هذه فلوس فواتير التليفون و الكهربا و خرجت بعد أن استقر أطفالها.
لم تكن تنوي شراء طلبات للأكل كما أخبرته و إنما توجهت للكوافير ليضيف أسباب الجمال لشعرها وأظافرها و يضع لمسته السحريه على بشرتها و حاجبيها,كانت قد نسيت متعمده الموبايل بالمنزل, ثم توجهت إلى شارع قريب ملئ بالدكاكبن و دخلت إحدى المحال إشترت بعض الملابس المنزليه المريحه بألوان مُبهجه مُحاوله أن تُصبح سعيده من الداخل أولاً كما إشترت بيجامه ناعمه دافئه رغم أنها صيفيه كلفها الأمر الكثير لكن لا بأس..كله فداء لحظات من السعاده, ذهبت أيضاً لمحل مكياج و عطور إشترت روج بمبي لامع بلون حياتها في الصبا و مانيكير بنفس اللون و اخر أحمر قُرمزي كما إشترت عطر ليس من الماركات العالميه و لكنه زكي و فوّاح كما أنه صغير تستطيع أن تحمله معها في حقيبة يدها.
نفذت أموالها لكن بالطبع لن تكون آخر مره تخرج و تبتاع نفسها بعض الراحه و السعاده, عزمت على أن تُجدد حياتها و تقضي بعض الوقت وحدها ستعتني بنفسها كما تعتني بهم و أكثر و ستبحث عن عمل اخر تُحبه و تكون فعاله به, ستهجر السي تي ايه في يوم من الأيام, ستنجح و سيصل نجاحها عنان السماء,ستُسافر مع زوجها في رحلة شهر عسل أُخرى تتجدد فيها المشاعر و يخفق القلب مره أُخرى و لكن كل ده طبعاً في أحلامها الخياليه السي تي ايهيه فقط.





